Thursday 2nd March,200612208العددالخميس 2 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الثقافية"

نحو قراءة جديدة للشعر العامي نحو قراءة جديدة للشعر العامي
أحمد بن سليمان المطرودي



يقول من عدّى على رأس عالي
رجمٍ طويل يدهله كل قرناس

قوله: (يدهله كل قرناس).. تثبت الصفة لهذا القرناس.. ولكنها لا تنفي الصفة عن غيره؛ خلافاً لأبيات تجعل صفة التعلِّي والصعود والتجاوز مقصورةً على الشاعر؛ لتفردَ عن طريق المفهوم معاناةً خاصةً.. مرّ بها القائلُ دون غيره.. وإذا كان السديري قد عدّى تعديةً.. فغيره قد نطّ (نطّاً).. وفي النط دلالة على الارتفاع أكثر.. وربما كانت أسرع:


نطّيت في مرقبٍ والليل ممسيني
بديار غربٍ لعل السيل ما جاها
أضحك مع اللي ضحك والهم طاوني

طية شنون العرب لن قطروا ماها..
والنطّ هنا من أسفل إلى أعلى.. وهو مشابهٌ لقول السديري في ذلك.. وإن اختلف في طريقة الوصول إلى الهدف المراد.. فهل تلك الاستعمالات جاءت بديلاً للطلل القديم الذي كان بُرقةً في مطلع معلقة طَرَفَةَ ابن العبد:


لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

الذي سطا فيه طرفةُ على الشطر الثاني من البيت الثاني في مطلع معلقة زهير:


أمن أم أوفى دِمنةٌ لم تكلّم
بحومانة الدَّراج فالمتثلّم
ودارٌ لها بالرقمتين كأنّها
مراجيعُ وشمٍ في نواشر معصم

وهذه الصورة تتداخل أو تتقاطع مع بيت السديري، الذي سيأتي:


ونشوف فيها الديدحان متوالي
مثل الرعاف بخصر مدقوق الالعاس

فقد صرّح آخر بالطلل:


باقي من الذكرى رسوم للاطلال
هَوْج الرياح العاتية ما محتها
أظنها تبقى على مرّ الأجيال
تفيد عن قدرة أيدين بنتها

وقصر صفة الارتقاء واضحة في قول الآخر:


يا مرقب بالصبح ظليت أباديك
ما واحد قبلي خبرته تعلاك..
ولِّيت يا ذا الدهر ما أكثر بلاويك
الله يزودنا السلامة من تلاك..

ويشابه قولَ السديري في عدم قصر الصفة قولُ الشاعر:
قال من عدّى؟ قال الذي راس الطويلة مباديه
روس الطوال الشامخات المنيفات..
ويضيف آخر الوقت الذي اجتاز فيه:
عدّيت أنا المطلاع والشوق هزّني
قبل الظلام وتوّه الشمس غاربه..
عدّيت مطلاع شوفه يهزّني
وزادت على القلب المعنَّى مصايبه..
وفي الفصيح اقتُصِر على التوصيف دون الصعود:
وأرعنَ طمّاح الذؤابة باذخٍ
يطاول أعناق السماء بغارب..
فهناك مراحل ثلاث: النظر والتعلِّي والتعدية.. فأيها الأكثر معاناةً..؟ والنط - دون تقييد - ربما تضمّن التجاوز، بينما تعدية السديري تعني توقفاً في رأس الرجم؛ فهو غايةٌ في البعد قصدها الشاعرُ.. وتوقّف بها؛ لأنّ ما بعدها سيكون أقلَّ ارتفاعاً، وهذا يتعارض مع هدف الشاعر. ولكن لِمَ حُدِّد الجبلُ دون النفود مثلاً.. في التجارب السابقة كلِّها..؟ وهل لصلابة مكوِّناته علاقةٌ بذلك..؟
وقول السديري: بقي في مستوى القول دون الفعل دلالة على انعدام الفاعلية والصيرورة إلى الانخذال والخور أمام الصعوبات المتلاحقة التي لجأ الشاعر معها إلى الهروب من واقعه.. والالتجاء إلى هذا الرجم.. ولكن أين القول؟! وما حالة الشاعر السابقة التي أدّت به إلى هذا القول..؟
هناك محاولات سبقت هذا القول.. كلّها باءت بالفشل..، فبحثَ الشاعرُ عن تنفيسٍ من خلال تلك التعدية.. ومن خلال ذلك القول. لقد اندفع الشاعر بوصف هذا الرجم وما يحيط به من أهوال وتقلبات نفسية مختلفة دون أن يخبرنا بماذا قال!!
ويستخدم الشاعر هنا لفظة (مِنْ) دلالة على أنه مجهول حتى يشمل العموم.. وتضيق دلالة هذه ال (من) من خلال أوصاف عديدة.. تبقى تخرج كثيرا مما يحتمل أن الدلالة تشمله.. حتى لا يبقى لنا من هذه المفردات الكثيرة.. إلا الشاعر وحده؛ مما يسهم في الاشتياق إلى صاحب هذه المعاناة المتفرِّد.. و(عدّى) فيه أن حدث التعدية تم في برهة زمنية قصيرة.. سبقتها محاولاتٌ جادة أدت إلى هذا البعد والتحرر مع توقُّع ما يصاحبه من استعداد نفسي وبدني؛ إذ يكون البدنُ مشدوداً تأهباً لهذا العمل.. وقد بنى صداقةً مع الصقور؛ فهي ألصق به من الإنسان!!


فإن يكُ الجنس يا ابن الطلح فرَّقنا
إن المصائب يجمعن المصابينا..،

فتوحد المعاناة والألم يقرِّب ويلغي المسافات حتى بين الكائنات المتنوعة كما يقول شوقي:


في رأس مرجوم عسير المنالي
تلعب به الأرياح مع كل نسناس
في مهمهٍ قفرٍ من الناس خالي
يشتاق له من حس بالقلب هوجاس
قعدت في رأسه وحيد لحالي
براس الطويل ملابقه تقل حراس

والتعبير بعسير المنالي فيه أنه يُطلَب وبكثرة.. ولكن الطلبات كلها تنتهي بالفشل.. إلا محاولة واحدة أدَّت بصاحبها إلى أن يستقر في هذا المكان المتأبِّي على الآخرين.. ونتصور أن هناك نجاحا جزئيا أدى بأصحابه إلى الارتفاع نسبيا عن سطح الأرض، ولكن دون الوصول إلى الرأس..، فالجبل من منظر بعيد والناس متناثرون أثناءَه.. كلٌّ يرتفع بحسب جهده.. وليبقى شاعرنا متفردا في معاناته.. وألمه.. متفردا في مكانه العالي.
و(في مهمه) فيه سعة حسية يلزم منها أخرى معنوية مماثلة، وهذا غير مناسب للموقف العام.. إلا أن هذا الداعي إلى الفرح من خلال سعته.. فيه ما يلغي قيمة هذه السعة.. وهو خلوه من المؤنس، ولا يكتفي بقفر رغم دلالته الموحية؛ فهو خالٍ كذلك.
و(من الناس) الجار والمجرور متعلق بما بعده (خال)؛ إذ لا يمكن أن يكون قفرا من الناس.. وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر.. وصفة الخلو خاصة بهذه (المهمه).. وإن جعلنا الجبل (في مهمة).. خرجنا من هذا كلِّه.. ولكن ماذا أضافت (خالي) بعد (قفر)؟!
(القفر) خلو من الحياة بعامة.. ويستلزم هذا انعدام السكن فيها من الأصل..
أما الخلو فيعني أن هناك وجوداً سبق.. ربما ساد.. وعلى هذا فالبداية قَفْرٌ ثم أُهِلَ هذا المكان.. ثم خلا بعد ذلك.. ولكن لماذا يشتاق له من حسّ بالقلب هوجاس؟
إن من تعتريه الهموم قد يبدأ بالحديث مع نفسه..، فيسخر منه الناس أو يلومونه أو ينتقدونه.. وتفاديا لهذا الموقف..، فلا بدّ أن يرحل إلى مكانٍ لا يستطيع الوصول إليه إلا مَن وصل هذه المرحلة من الهواجيس المتناوبة؛
وبالتالي فالناس في هذا المكان غفلوا عن شدة الملاحظة.. وكلٌّ يظهر مما يخفف أحاسيسَه ومشاعرَه دون نكير.
و(قعدت) يتضمن إجهادا ذهنيا وبدنيا تزامنا في وقت واحد..، لأنه هو وحده (لحالي)؛ إذ لا أحد يحتمل هذه المشاق سواه.. مما جعله يمتزح برأس الطويل فكأنهما شيء واحد.. يجمع بينهما الشموخ والإباء والظهور.. وهذا يتطلب أنهما بحجم مماثل أو مقارب لبعضهما؛ إذ الوقوف إلى جانب شيء يقتضي التقارب في الكبر.. ولكن ربما كانت هذه الصفة في الجبل حسية مشاهدة.. أما فيه فهي معنوية متعارف عليها عند البشر.
و(تقل حراس).. والمحروس عادة أكبر من الحارس.. على أن الحارس هو المسجون في الحقيقة؛ فهو مقيّد الحرية بخلاف السجين الذي لا يراقب أحدا.. والذي يأخذ حريته في محيطه الصغير.


متذكِّر في مرقبي وش غدا لي
وصفقت بالكفين ياسٍ على ياس
أخذت أعدّ أيامها والليالي
دنياً تقلَّب ما عرفنا لها قياس
كم فرَّقت ما بين غالي وغالي
لو شفت منها ربح ترجع للافلاس

في لحظات التحطُّم يتذكّر الإنسان الأفراح عادةً.. وكيف مرّتْ سريعاً..، فلا أثر لها هنا..!! إنها الآمال المحطِّمة، والمحطَّمة.. والتذكُّر لا يتم إلا عبر الأحداث الفارقة.. سواء كانت فرحا أم حزنا، أما الأحداث المتكررة المألوفة فهي لا تُتَذكَر؛ مما يجعلها تذوب داخل تلك الأحداث الظاهرة. و(في مرقبي) أصبح المرقب له وحده وصار ملكا له بعد أن كانت العلاقة تقابلية بينهما.
و(غدا) فيه أن الأحزان هي التي بحثت عنه دون أن يصدر من أفعاله ما يستوجب حضورَها وحرصَها على محاصرته.
(وصفقت بالكفين ياس على ياس) هموم مركَّبة.. لا مفردة..، فالذاكرة القريبة تحوي هموماً مماثلةً لما يعايشه الشاعر في رأس الرجم..، فثمة صدى صوت يحدثه الجبل.. وهي حيلته الوحيدة لمواجهة هذه العقبات المتوالية، وحالته ضياع في ضياع؛ إذ العادة أن يكون الضياع على أمل.. كما في قول الآخر:


أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

أما هو فلم يجد إلا أمورا محزنة تزيلها أمور أشد حزنا منها وقد تركها دون عدّ فترة لعلها تنجلي دون عودة، ولكنها من خلال إصرارها اضطرته إلى أن يأخذ في عدها.. واليوم كأنه يومان لطوله في يوم وليل.
وأكثر ما يعتري المحزون من الهواجس تأتيه ليلاً؛ إذ السكون والظلمة اللذان يوفران جوا للحزن لا يتوفر عند مخاطبة الناس؛ فالإنسان في هذه الحالة ينسى همومه حتى تتركز عليه.. وفيه.. عند الفراغ ليلا.. حيث لا أنيس يقطع هذه الوحدة القاتلة.. ويزداد الألم إيلاما عندما يكون الشخص كتوما لا يظهر ضعفه لأحد..، فينحرم من التنفيس الذي يمارسه البسطاء.
أما (دنيا تقلب).. بين الأفراح والأحزان..، ففيها أوجه متعددة.. وتتغير هذه الأوجه بسرعة متناهية بحيث لا يمكن وضع ضابط يؤدي إلى المعرفة..، فهي كجلمود امرئ القيس المنحدر في سرعة بالغة.. ولكن هل لشاعرنا نصيبٌ من الوجه الحسن في هذه الدنيا؟ وكم يمكث.. - إن وُجِدَ -..؟ فهي تأخذه بالوجه العبوس.. مبصراً غيرَه بسعادة وافرة.. عند من لا يستحقها!!
(كم فرّقت).. كم هنا تفيد التكثير فهي خبرية، و(فرقت) دليل اجتماع سابق وتضعيف الفعل بالتشديد يدل على قوة الفعل؛ إذ الاجتماعات السابقة كانت لفترة طويلة.. تنِمُّ عن لحمةٍ ووشيجةٍ راسختين.. فكيف تُحدِث هذه الدنيا المتقلِّبة لو كان الاجتماع قصيرا..؟
ويؤكد هذا بقوله: (بين غالي وغالي)؛ فالمحبة والتقدير متبادلان.. ولو كان من طرف واحد لكان القبول به أمراً أدعى إلى أن يستساغ.. ولكن أن يقع بين أحبة يتبادلون عواطفَ متدفقةً.؟ فهذا أنكى وأمرُّ.
و(لو شفت منها ربح ترجع للافلاس) مجرد رؤية دون معايشة.. لأنها حاضرةٌ بصورٍ دماغية..، فلا أثرَ لها في حياته الحالية المعاشة.. وهذه الرؤية قد تحدث والأغلب ألا تحدث؛ لأن الإفلاس هو الأساس.. ولذا عبر ب(ترجع).. والرجوع إلى المكان الذي بدأ الانطلاق منه..، فأنت تعايش هذا الإفلاس ويحيط بكَ من كل جانب، وأثناء ذلك تبصر من بعيد مظاهر الربح والسعادة التي لا تلبث أن تكون سرابا خادعا؛ لترجع وتنظر حولك وتكتشف كم كنت بسيطا في اندفاعك خلف هذا السراب.. وأن الأولى أن تواجه الحقيقة مهما كانت مرة.


المستريح اللي من العقل خالي
ما هو بلجَّات الهواجيس غطاس
ما هوب مثلي مشكلاته جلالي
أزريت أسجلهن بحبرٍ وقرطاس

وهذه هي الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في البداية. إن الشاعر أراد أن يعبر عن هذه الفكرة المؤرقة التي يبدو فيها شيء من التناقض؛ إذ العقل منافٍ للسعادة.. وضعفه جالب لها، وهذا ما عبر عنه المتنبي بقوله:


ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة بالشقوة ينعم

إن هذا البيت يحوي الفكرة الرئيسة، ففيه الحركة الموجِّهة للنص كاملا، وكل ما فيه يهيئ لها فهي (صوتيم) النص عند المعاصرين في الدراسات الحديثة.. ولكن السعادة التي تطلب الخلو من العقل وتدور معه في ضدية.. هل فيها وجود سابق للعقل.. أم أن هذا الإنسان وُلِدَ دونه..؟ وهل سعى إلى قتل الحساسية المفرطة حتى تغلَّب عليها.. أم أنه لم يمر بهذه المغالبة وهذا التناحر!؟
و(لجات الهواجيس) من لوازم كثرتها..، فهي موجعة.. تشبه الظلام الدامس.. وكأننا غصنا في لجات البحار فأصبحنا نرى ظلمات بعضها فوق بعض.
(أزريت).. وبعد التعب هل ترك التسجيل..؟ الذاكرة لا تكفي لحفظ مفردات التعب..، فهي كثيرة متنوعة مؤلمة متجددة.. كل جديد منها يثير قديماً.


حملي ثقيل وشايله باحتمالي
واصبر على مر الليالي والاتعاس
وارسي كما ترسي رواس الجبالي
ولا يشتكي ضلع عليه القدم داس

حملي ثقيل.. وغيري حمله خفيف.. ومع خفته فإنه لا يستطيع حمله و(شيله) وإن حمله فترة فإنه لا يستطيع الاستمرار .. أما أنا فإني ثابت في المراحل الثلاث؛ فحملي ثقيل وأقوم بحمله و(شيله) وأقاوم الاحتمال..، فاستمر على ذلك الحمل.. وهذه مراحل اصطبار تتساقط الناس دونها.. فمنهم من يسقط في الأولى، ومنهم من يصل الثانية، ومنهم من يستمر حتى الثالثة، ولكن بعد وصولها لا يستطيع الاستمرار فيها.. وعليها.. إلا حالات شاذة نادرة.. و(احتمالي) يتعلق بالبدن، و(اصبر) مغالبة نفسية يمر المقاوِم فيها بحقول ألغام كثيرة.. كلها تدعوه إلى الاستكانة والاستسلام والنكوص.. والصبر يتميز بضديته.. وانعدام الحاجة إليه؛ إذ تكمن قيمة الأشياء في أضدادها.


فما حبّب العيش إلا الفناء
وما زانه غيرُ خوفِ اللحود
ومن لم يرعه قطوبُ الدياجر
لم يغتبط بالصباح الجديد
ولولا شقاءُ الحياة الأليم
لما أدرك الناس معنى السعود

و(أرسي) رسوخ في الثبات، وهو هنا يقابل الضلع في الصلابة والتحمل.. وهذه المشكلات والهموم عندما تقع عليه فإنها تشبه القَدَم التي تقع على الجبل، وهذه مرحلة تالية ازداد فيها صلابة بعد ضعف، و(داس) فيها الحرص والصلابة، ولكن هذا بعد اكتمال المناعة.


يا بجاد شب النار وادن الدلالي
واحمس لنا يا بجاد ما يقعد الراس
ودقّه بنجر يا ظريف العيالي
يجذب لنا ربعٍ على أكوار جلاّس
وزلّه إلى منّه رقد كل سالي
وخلّه يفوح وقنّن الهيل بقياس
وصبّه ومدّه يا كريم السبالي
يبعد همومي يوم أشمّه بالانفاس
فنجال يغدي ما تصوّر ببالي
وروابع تضرب بها أخماس وأسداس

(ما يقعد الراس).. من هذه الهموم..، فيخرجنا من دائرتها اليائسة.. و(رقد كل سالي).. وقت تكاثر الهموم وتركّزها.. و(يبعد همومي).. إبعادٌ.. دون إزالة.. و(يغدي ما تصوّر ببالي).. مؤقتاً.


لا خاب ظني بالرفيق الموالي
ما لي مشاريه على نايد الناس
لعل قصر ما يجي له ظلالي
ينهد من عالي مبانيه للساس
لا صار ما هو مدهل للرجالي
وملجا لمن هو يشكي الضيم والباس

(لا خاب ظني) هو ظن لا اعتقاد والواقع يصدّقه أو يخالفه، ولكنه تصوُّرٌ مع الرجحان؛ لتوقع حدوثه، والخيبة تقتضي وجود العشم بمواقف بطولية من هذا الرفيق الذي أبدع في خذلها؛ فبان ما بناه شاعرنا وَهْمَاً اتضح عند الملمات، وإذا وقع هذا من الرفيق فإن مجرد الشرهة على البعيد من الناس لا تجوز..
واستخدم الجمع (مشاريه) لكثرتها.. مما قابله من أناس لم يكن يتوقع منهم إلا موقفا فاعلا في كل ملمَّة.
وهذا البيت مدارٌ آخر للنص وإن كان أقل سيطرة من سابقه..، فهو يبقى جزءاً جوهريا محركا لغيره من الأبيات والأفكار.. وظلال القصر معنوية يراد بها التفضل والإحسان، أما انهداده فحسيٌّ مشاهد.. والعلاقة بينهما مترابطة فلا بقاء لهذا القصر إلا بأن يغطي ظلُّه مساحةً واسعة تحوي متأزمين محتاجين لهذا الظلال.. وصاحب هذا القصر لا بد أن يكون وجيها في قومه حتى تُطلَب منه هذه العظائم.


على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

و(مدهل) خاص بالضيف والقِرَى.. وهو هنا غير محتاج ما عبرت عنه لفظة (ملجا)..، فالملجأ يقتضي الخوف قبل الدخول إلى هذا الملجأ الآمن.


بحسناك يا منشي حقوق الخيالي
يا خالق أجناس ويا مفني أجناس
تجعل مقره دارس العهد بالي
صحصاح دوٍ دارس ما به أوناس
وتخضّر فياض عقب ما هيب يبّاس
ونشوف فيها الديدحان متوالي
مثل الرعاف بخصر مدقوق الالعاس
وينثر على البيدا سوات الزوالي
يشرق حماره شرقة الصبغ بالكاس
وتكبر دفوف معبسات الشمالي
ويبني عليهن الشحم مثل الاطعاس

(المفالي) تستلزم سعةً.. وهذا انتقال وختم للنص بالتفاؤل، فهناك تقابل بين التفاؤل والواقع يتبادلان أجواء النص والناس كذلك.. ولكن النهاية كانت تفاؤلا..، فهي تهيئ لدورة أخرى مماثلة.. ينتقل فيها الإنسان مع هذه المرحلة.. وهذا يجعلنا نتذكر السيّاب وأنشودة المطر عندما يختمها ب(ويهطل المطر).. بعد دورةٍ طويلة مريرة مع الإحباطات والانكسارات النفسيّة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved