أمة الإسلام: أدّبها ربّها، بآداب في كتاب الله، وهذّب سلوكها: أفراداً وجماعات رسول الله صلى الله عليه وسلم: بقوله وفعله وإقراره، لأنه عليه الصلاة والسلام على خُلُقٍ رفيع، وقد مدحه ربّه بذلك فقال سبحانه في سورة القلم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. وقد أعجب الصحابة رضوان الله عليه ذلك، وفي مقدّمتهم أبو بكر الصدّيق، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: (من أدّبك يا رسول الله - يعني من علّمك)؟ فأجابه المصطفى المختار عليه الصلاة والسلام: (أدّبني ربي فأحسن تأديبي).. ولمّا سُئِلَتْ عائشة رضي الله عنها: عن خُلُقِ رسول الله؟ قالت: كان خلقه القرآن).
فما أحوج الناس، في كل مجتمع إسلامي، بأن يتأسّوا برسول الله الكريم، في تعامله وصبره، وفي حسن خلقه في التعليم والتأديب، وفي الحديث وفي المسيرة، وبالتواضع والصّلة بين أصحابه.
فمثلاً عندما نرى شخصاً، يسير ماشياً أو ممتطياً سيارته، ويتجاوزه آخر، فإنه يرى بمقاييسه أن هذا المتجاوز قد أساء إليه، ليبدأ معه سباً وشتماً، وقد يكون المتجاوز لم يسمعه، أو له عذر.. ألا كان الواجب أن يتحمّل بالصّبر والرّفق، ويتسامح ويلتمس لذلك عذراً، مهما كان في نظره مخطئاً، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بأذى، لا في نفسه ولا في ممتلكاته.
وإن حصل شيء من ذلك، فعلى كل من الطرفين، بل على كل فرد في المجتمع الإسلامي، معالجة مثل هذه الأشياء بالرّفق والحلم، والتّبصر في الأمور، فقد يكون أحدهما مغلوباً على أمره، وليس باختياره، ومقابلة ذلك يكون بحسن التّفاهم، والكلام الطّيب، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).
والأمور مهما كبرت أو صغرت، حتى على المستوى السّياسي، والاقتصادي والتّعليمي وغيرها، لا تُحَلّ مشكلاتها إلا بحسن الخلق، والمنطق الحسن، لأنّ اللّسان، إذا أطلق الإنسان له العنان أورد المهالك، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، بقوله: (كفّ عليك هذا). قال: يا رسول الله، أنحن مؤاخذون بما نقول؟ فأجابه بقوله: (فهل يكبّ الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم).
والله سبحانه يحب من عباده حسن الخلق، والتّعامل الحسن، وكفّ اللسان عن الفحش في القول، والسبّ واللعان، وعدم مجازاة الإساءة بمثلها، يقول سبحانه في تأديب النفوس البشرية، على هذه الآداب، وحسن الصبر، وعدم العقوبة بمثلها: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} )الشورى 40)، ويقول جل وعلا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} )النحل 126).
فجعل سبحانه حاجزاً لمن لم يرد أن يترك حظّه من الدنيا، ليشفي هيجان نفسه، بعدم التجّني والزيادة عمّا حصل من الطرف الآخر، وذلك بمقابلة السيئة بمثلها، بدون زيادة، لكنّ الله حثّ على الصّبر، لما فيه من أجر عظيم وتحمّل ما حصل من الطرف الآخر، احتساباً لما عند الله وكَظَمَ الغَيْظَ الذي يؤجّجه عدوّ الله، وعدوّ بني آدم إبليس، فتكون لهذا الكاظم الخيرّية، ومن فكّر في هذه الخيريّة من الله: فإنه سيغالب هواه وشيطانه، ليفوز بمكانة هذه الخيرية، التي لها عائدان: دنيوي وأخرويّ: أمّا الدّنيويّ فراحة في النفس، وهدوءٌ في القلب، ومحبّةٌ عند الناس، وعائدٌ على سمعتك، وأهم من ذلك كلّه: توفيق الله للصابر المتسامح، وتعويضه عما فاته أو تعرّض له من خسارة مادّية، لأنّ: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيراً منه (مختصر المقاصد ص190 برقم 1006).
أما الأخروي: فهو من جزاء الصّابرين، المحتسبين الذين وعدهم الله بالجزاء الأوفى فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} ( الزمر 10).
فالمؤمن المتمسك بالأخلاق التي هي حليته، ومع الآداب التي أدّبه بها دين الإسلام: يتحرَّى الخير ومنابعه ليسلك إليها وليكون قدوة في نفسه عملاً، وفي تعامله خلقاً وطبعاً، وفي نظرته وتسامحه مع الآخرين منهجاً، فيتحلّى بالصبر، ويعوّد نفسه على المجازاة بالمعروف، لأن الله يقول: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى 40)، ولأن الله لا يحب الظالمين المعتدين.
فالمحسن والمجازي على السيئة بالحسنة، هذه خصلة عظيمة، حيث يتغلّب الإنسان على نفسه وهواها، بأسْرِ خَصْمِهِ، ويُغْضِبُ الشيّاطين: من أنس وجنّ، من الذين يؤجّجون نار الفتنة، ويصرون على إضرام الشحناء، وتكبير الصّغير، حتى يقع الإنسان في الشرّ..
والفرق بين الخير والشرّ، بسيط إذا أُحْسِنَ المدْخَل، وكبير إذا أقفل ذلك المدخل، ومفتاحه بالصبر وحسن الخلق، اللذين هما جماع كلّ خير، ويأسران النفوس المسيئة، ليتحرّك فيها عامل الخير، وهذا هو أكبر دعوة لإصلاح المجتمعات، ونشر السلوك الحسن، بين الناس، فتكبر الدائرة بكثرة من يحرص على هذا الأدب الرّفيع، لتتسع ومن ثمّ تعود النتيجة على المجتمع كلّه، بالنفع والمودّة وراحة البال.
(وَمَا قَتَلَ الأحْرَارَ كالعفْوِ عَنْهُمُو)
إن الرّعيل الأول من أمة الإسلام، لمّا عرفوا من منهج التعليم الرّباني في شرع الله الذي شرع لعباده في القرآن، وعلى لسان رسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم، كان في مقدّمة توسّعهم على الأمم: التعامل بهذه الآداب قدوة حسنة قبل القول، وكسباً للآخرين بالتّطبيق، والسمعة الحسنة، قبل تحرك الجيوش، فوجدت النفوس الصّافية في أمم الأرض، ما كانت تفتقده في مجتمعاتهم، فاندفوا للإسلام برغبة وطواعية، وبقي هذا الدين في ديارهم أجيالاً عديدة، وخدموا الإسلام بسعيهم العلمي، وتراحمهم فيما بينهم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات 10).
وما يعمله الأعداء، من محاولة لتشويه هذا الدين، ووصفه بالإرهاب، وكتاب الله بأنه يعلّم الإرهاب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، بصورة شنيعة، وغير هذا مما نفثته الصدور المريضة، كل هذا لا يغيّر الإسلام، ولا يغير رسول الله، بل نرى ونسمع من مجتمعاتهم: أن الدّاخلين في هذا الدّين - بحمد الله - كثير، وأكثر منهم من اهتموا بدراسته، ومفكروهم دانوا المسيئين، وأبرزوا بالدراسات والمعادلات مكانة رسول الله: بأنّه أعظم مصلح عرفته البشرية. ونفوا عن تعاليم الإسلام، وَصْمَة الإرهاب، وهي شهادة تدين المعتدين السفهاء، ومن يحركهم.
فكان ما يريدونه شراً: خيراً لرسول الله بتعظيم أجره، ولدين الله برفع رايته، ولتعاليم الإسلام وشرائعه اهتماماً ودراسة منصفة، جذبت كثيرين للإسلام، والدفاع عنه، والأيام كفيلة برجحان كفّة الإسلام: لأنه دين الله الحقّ، وآخر تنزل سماوّي لشريعته، حيث ينزل به عيسى عليه السلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير في آخر الزمان، ويجاهد البشرية كلها عليه، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.. حمى الله حوزة هذا الدين من أعدائه البعيدين والقريبين.
عقاب الله لأبرهة
ذكر ابن هشام هذه القصة، نلخص منها: أن أبرهة بنى القُلَيْسَ بصنعاء باليمن، وهي كنيسة لم يُر مثلها، يريد صرف العرب والعجم إليها للعبادة، فغضب رجل من كنانة، فجاء وأحدث فيها ثم لحق بأهله، فأراد أبرهة أن ينتقم بهدم الكعبة التي يقدّسها العرب، فجمع جنداً عظيماً، وفي مقدمتهم فيل اسمه محمود، ضخم الخِلْقَة.
فسار لا يقف أمامه أحد، خوفاً منه ومن رجاله الأشداء، فلما قرب من مكّة، هيأ فيله، وأبرهة عازم على هدم بيت الله، وطلب كبير أهل مكّة، فجاءه عبد المطلب جدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وسيماً ذا هيبة، فاحترمه أبرهة، ونزل من كرسيّه، ليجلس معه، فسأله أبرهة عن حاجته؟ فقال: أن تعطيني إبلي وهي مئتان، التي أخذتها، فقال أبرهة: لقد سقطت من عيني، جئت لأهدم بيت فيه عزّك ومجدك وقومك، وتحدثني في الإبل. فأجابه: أنا ربّ الإبل، وللبيت رب يحميه.. فأمر بإعطائه جميع إبله.
فلما خرج عبد المطلب من عند أبرهة، جاء لأهل مكة، وأمرهم بالخروج من مكة، إلى أعالي الجبال، وتعلَّق بأستار الكعبة، وصار يدعو قبل لحاقه بقومه في الجبال، ينظرون ما يحلّ بأبرهة وجنده.
فوجّه قوم أبرهة الفيل إلى مكة، فأقبل نُفَيْلُ بن حبيب الخثعمي، حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: ابْرُكْ محمود، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنّك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل يشتدّ حتى صعد الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالحديد ليقوم فأبى.
فوجّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وضربوه على رأسه، وأدخلوا محاجن لهم في مراقّه حتى أدموه فأبى.
وأرسل الله تعالى عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف والبَلَسَان، مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمّص والعَدَس، لا تصيب منهم أحداً إلا هلك، وخرج من سلم هارباً، للطريق الذي منه جاء، ويسألون عن نفيل ليدلّهم الطريق إلى اليمن وهلكوا، وأصيب أبرهة في جسده، تتساقط أنامله ولحمه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. (سيرة ابن هشام النبوية 1: 53 - 55)، وهذا عقاب من الله لمن تطاول على محارمه وأوليائه، وفي هذه السنة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أهلك فيها أبرهة وقومه.
|