نعيش في الوقت الحاضر موسماً ثقافياً يشنف الآذان، ويستهوي الأفئدة، ويعانق العقول. فالجنادرية ومعرض الكتاب قد فُتحت أبوابهما لاستقبال المثقفين الذين وفدوا إليهما مشاة وركباناً يحدوهم الأمل للإسماع والاستماع، والأخذ والعطاء، والأمل أن تكون بضاعتهم مزجاة حتى يميروا الشعوب العربية بما هو مفيد، فلعل شيئاً من الحراك يصل إلى أفئدة بعض من العاملين المخلصين ليحققوا شأواً طالما تمنته شعوب البلاد العربية. والمثقف القادم لينهل من معين هذا العطاء، ويروي ظمأه من سلسبيل هذا النهر المتدفق، أو ليضيف إليه شيئاً مما لديه، لابد له أن يكون قدوة لغيره في تطبيق ما يحمل من أسفار الثقافة تطبيقاً يخرج نتاجه إلى الغير، ويسهل قطافه لدى الصغير والكبير.
إن الثقافة في ذاتها متعة لمن تستهويه، وغذاء لذاته وفؤاده، فكما أن المشاهد للاعب الكرة يطرب لحركة أحد اللاعبين وهو يخترق الصفوف بحركة سريعة طارحاً مناوئيه يمنة ويسرة، فإن المثقف يتمايل طرباً وهو يقرأ أو يسمع بيت شعر جميل، أو قطعة أدبية يبحر بها إلى شواطئ قلبه فيأنس بها ويستمتع أيّما استمتاع، وهذا كلّه أو جلّه غذاء يحتاجه بنو البشر للاستمتاع مثل سائر الخدمات الترفيهية إذا توقفت الغاية عند حد الاستمتاع.
أما إذا صاحب هذا الغذاء الروحي الجميل، والرؤى القادرة على التمازج للوصول إلى حقيقة بعينها يتم تبنيها والعمل بموجبها، فإن الثقافة بهذا قد أماطت اللثام عن خفايا المجهول، وأسهمت في الحد من التباين، فنال المثقف مآربه، وحازت الشعوب مبتغاها.
إن المثقف المنتج للثقافة منتج في ذاته، لأنه ينتج الفكر الذي ينير، والشعر الذي يطرب، والنثر الذي يمتع، أما المتلقي للثقافة غير المنتج لها فأحسب أن عليه واجب العمل بما فيها من شد للهمم وإنارة للطريق ومساعدة على اتخاذ القرار الصائب، أما من اكتفى بالثقافة لتكون متعة شأنها شأن متع الحياة الأخرى، فقد اكتفى بما أشبع شهواته، وأكمل مقصده ولذاته، وهذه الفئة من المثقفين غير المنتجين الذين يحسنون الحديث ولا يحسنون العمل أو لا يرغبون الاستفادة مما هو متاح من ينابيع الثقافة، فمثل هؤلاء ليس للمجتمع في ثقافتهم نصيب. أما شر المثقفين فهم أولئك الذين يستخدمون ثقافتهم في التوفيق للتلفيق، ويتحدثون بتعابير رائعة، معانٍ فضفاضة يحسبها المتلقي حقيقة وهي لا تعدو كونها تنميقاً يظهر الأمر في غير محله، والحقيقة منه براء، يستهويك حديثه، ويسعدك طرحه ومحسناته البلاغية، غير أن ما يقدمه لا يعدو كونه سراباً يحسبه الظمآن ماء، ووهماً ينشر ظلاله على المجتمع بأسره، وخطر هذا الصنف من البشر لا يقف عند الإيهام فحسب، بل يتعداه إلى التضليل فيظن البعض أن القافلة تسير إلى الأمام وهي واقفة أو سائرة إلى الخلف ويعتقد البعض أن ظاهر الشيء مثل باطنه، وحقيقة الأمر غير ذلك.
إن كل محب لعالمنا الإسلامي سيذرف الدمع كقطرات الغيم، وسيتأجج قلبه ناراً كبروق الجون، وسيلفظ أنفاسه الحزينة كالرياح عندما يبصر هذا العالم الإسلامي يلهث وراء لقمة العيش، ليلقيها إليه غيره، رغم وجود عناصر الإنتاج لديه، سوى الإدارة الصادقة المخلصة والنوايا المنبثقة من الإحساس بالمسؤولية، وما أحسب أن أمة تستطيع النهوض من الوحل الذي تعيش فيه دون إصلاح الأفراد وإصلاح الأفراد يتطلب إصلاح الذات، وإصلاح الذات يتطلب نبذ الأنانية، والقدوة الصالحة كتطبيق عملي لنبذ الأنانية.
|