Friday 3rd March,200612209العددالجمعة 3 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ومن التطرّف ما قتل: حادثة ندوة الكتاب مثالاً ومن التطرّف ما قتل: حادثة ندوة الكتاب مثالاً
سعد الضيغمي

مهزلة!.. هكذا قال لي أحد الأصدقاء العرب بعد حضوره لندوة ثقافية مصاحبة لمعرض الكتاب في الرياض، كان يقولها بقرف وتقزّز شديدين، وحكى لي ما حصل في الندوة من تهجّم وتطاول على رموز وطنية نيّرة، وكيف كاد معالي وزير الإعلام السابق محمد عبده يماني أن يتعرض لاعتداء بدني شديد على يد المتطرفين المتزمّتين، كان يتكلم مذهولاً وهو ينقل لي ما قاله هؤلاء في حق وزير الإعلام الحالي الدكتور إياد مدني، يقول صديقي: إنني أخذت أفرك عينيّ للتأكد من صحة ما أشاهد، ودعوت الله أن يكون ما أراه كابوساً تخالطت فيه صورة الرياض مع أنقاض تورا بورا، ولكن كان كل ما أشهده واقعاً وحقيقة، للأسف!
استمعت له صامتاً وفي أعماقي لم أكن مندهشاً بذات القدر لأسباب كثر، ولكن لفت انتباهي ذكره لاسم شخص بوصفه أحد المنظمين الرئيسين في هجومهم على هؤلاء الرموز، هذا الاسم لا يأتي في صفوف المتزّمتين المتطرفين إلا مسبوقاً بعبارات التفخيم والتبجيل والتوقير، وأقلها بالطبع فضيلة الشيخ، وتعلمون وأعلم أن هذا اللقب صار متاحاً على قارعة الطريق لمن لا يستحقه.
ولو كان من المعارضين لتوجهات الدولة وقراراتها، فحينها لا مناص من إرداف الشيخ بالعلامة، وحتى لو كان هذا النكرة طالباً في الثانوية الليلية أو خريجاً لإحدى دور الإصلاح!
تذكرت ما أعرفه عن تاريخ هذا الشاب الذي وصفه صاحبي بأحد قادة الحشد، فهو على صغر سنّه (35سنة)، له مريدون وأتباع، قادهم ذات مساء في (غزوة) ليلية على أحد المشاريع الترفيهية السياحية الكبيرة، وحرّضهم على محاصرة المكان وإخافة الحضور وترهيبهم وتهديدهم، مما أدّى إلى تكبد المشروع لخسائر طائلة يعاني منها حتى يومنا هذا، فقد عزف الناس عن الحضور لمكان تدخله مجموعة على شكل زرافات ووحدانا وتصف من حضر من الرجال ب(الدياثه) والنساء ب(التخضع) و(الليونة) و(حطب جهنم) و(الفجر) و(الفسوق)، وفي أخف الأحوال (أهل العلمنة) و(الفساد).
هذا الشاب، إحدى الظواهر الصوتية المولودين من رحم المزايدة على السياسي في قرار الدمج. خطب خطبة عصماء في حينها، ظن بعض أهل البلاد بعدها أن الفتيات سيغتصبن في المدارس نهار اليوم الثاني، وحاول أن يكون أحد قادة الضغط على صاحب القرار للتراجع عن قراره الحكيم، يومها، ضرب مثلاً في سوء التصرّف وهو يطالب أتباعه ومريديه ومن وافق نهجه من صغار العقول بالاعتصام أمام بوابات القصور، وإغراق المسؤولين ببرقيات الإنكار والشجب، ولعله يومها كان يوزع إعجابه وتقديره ذات اليمين وذات الشمال على كل من شارك في مشروعه الاحتجاجي، والذي باء بالفشل المتوقع، وانتهى بإيقافه عن الخطابة، وإراحة المسلمين من شروره مؤقتاً.
ولأن طلب الشهرة وحب (الترزز) داء ليس له دواء، وبما أن المسألة لا تتعدى التطاول والمعارضة لولاة الأمور لمجرد إثبات الوجود، وكسب الجمهور، فقد بدأ هذا الشاب بالكتابة في أحد المواقع المتطرفة المعروفة، زايد فيها على المسلمين وولاة أمورهم في قضية الدنمارك.
فالمسألة لا تعدو أن تكون طلباً للجماهيرية من ناحية، وتحقيق مكاسب وموطئ قدم جديد بين من يغرر بهم من ناحية أخرى.
كما تبنّى حملة الإنكار على معرض الكتاب بحجة أنه سيكون مختلطاً، يسمح فيه للرجل بالدخول مع أهل بيته، ووصف هذا بأنه طامة الطوام، ودعا الناس لإرسال البرقيات وإعلان الاحتجاجات على هذا الأمر الذي سيكون فيه بداية مشروع التغريب، وكأن الرجل منّا لا يدخل المستشفيات والأسواق بل وحتى المكتبات التجارية برفقة محارمه، والحمد لله أنه لم يطالب بمنع النساء من الطواف في الكعبة المشرّفة، والفضل لله أنه لم يطلب أن يكون طواف البيت مقسّماً على مدار الأسبوع، يوماً للرجال ويوماً للنساء ويوماً للعوائل.
ولننظر مثلاً للمبررات التي (أفتى) هذا الشاب بموجبها بتحريم إدخال التربية البدنية في المدارس النسائية، فهو بداية، يرد على من يقول بأن العقل السليم في الجسم السليم ب(هل صحة أجسام البغال والحمير زادت من عقولها)؟، ويسرد أسباباً عدة للتحريم أنقل بعضها بالنص، فمثلاً أن التربية البدنية في مدارس الفتيات سوف: (تسبب زوال أو ضعف الحياء لدى الطالبة)، كما أن من مقتضيات القرار أن الفتاة ستقوم ب(خلع ملابسها في المدرسة ولبسها لملابس الرياضة) و(من المعلوم أنه لن يشارك جميع الطالبات في ممارسة الرياضة كما هو الحاصل عند الطلاب، مما يساعد على كثرة الأحاديث الجانبية بين الطالبات وربما دارت أحاديث الإغراء والفساد وترويج بعض الأفكار والأرقام والتشجيع عليها في تلك الفترة) و(قد تفقد الفتاة بكارتها بسبب بعض الحركات الرياضية) وهناك سبب أهم وهو أنه (قد تصاب الطالبة بالعين، فقد تكون رشيقة البدن، جميلة المنظر، فإذا رأتها غيرها قد تصيبها بالعين) وليته اكتفى بذلك وسكت، ولكنه بقدرته التحليلية العجيبة أضاف سبباً أهم وهو: (تكون هذه الحصة عاملاً مساعداً في انتشار ظاهرة الإعجاب المتزايدة في مدارس البنات، خاصة وهي ترى زميلتها التي تعجب بها بتلك الملابس الجميلة، والقوام الجذّاب فتزداد الفتنة فتنة والبلاء بلاء)، وبالطبع فلا بد من ذكر نظرية المؤامرة فلو فُعّل القرار فإن هذا سيكون (البذرة الأولى للمشروع الرياضي النسائي الكبير، على غرار المجتمعات الغربية، والعربية المتغرّبة).
هذه هي العقلية التي قادت الدهماء في (فضيحة) ندوة معرض الكتاب، وهي ذات العقلية التي يقول صاحبها متحدياً قرار منع المتعاونين من الخروج برفقة أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد أن كثرت تجاوزاتهم: (لا بد من تفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للقضاء على المنكرات قبل أن تستفحل، ويكون هذا بالخروج أحياناً من المحتسبين الذين لهم خبرة ودربة في هذا المجال فيستفيد الإنسان منهم ويتجرأ قليلاً، ويتعلّم كيف يتعامل مع المواقف التي تمر عليه أثناء حياته اليومية، ويذهب عنه الخور الذي كان مصاحباً له، وهذه الطريقة من أنجح الطرق في تفعيل دور الشباب في الاحتساب وقد جرّبتها فوجدتها ناجحة).
ومن نوادر هذا الشاب قوله: (ووالله لولا خوفي على أعصابكم أن تتفجّر، وعروقكم أن تتقطّع، لوصفت لكم كيف يُولّد طلاب الطب نساءكم)، وليته فجّر أعصابنا وحكى لنا ما يخفيه في صدره، فلعل طالب الطب يأمر بقية الطاقم الطبي بأن يغمضوا أعينهم حتى يقضي وطره مع المرأة وهي لا تزال في مرحلة الطلق، أو لعله يفعل ذلك بعد الولادة ببرهة، أو لعل الطالب يقارن ولادة متيسّرة لامرأة بأخرى متعسّرة فيصيب المرأة بالعين، لِمَ لا، فصاحبنا مولع بالقياس ولو كان مع الفارق، والعين حق تصيب الطالبة إذا لبست ملابس الرياضة وتصيبها أيضاً إذا ولدت بسهولة ويسر!
ويبقى أن أقول إن المشكلة لا تنحصر بهذا الشاب، والذي هو اليوم (سوبر ستار) تيار التزمّت والتشدّد، ولا أقول أبداً أنه لو لم يكن موجوداً لما حصل ما حصل، فأنا ضد نظرية البطل في صناعة التاريخ، ولو لم يخرج لنا هذا ب(ترّهاته) و(تصرّفاته) اللامسؤولة، لخرج لنا غيره بذات الفكر والفعل، فما هو إلا إفراز لفكر لطالما حذّر منه المفكّرون والباحثون والمختصّون، وإنما ما أطالب به أن تدرس حالة هذا الشاب وأمثاله ويرد عليهم بالقلم متى ما كان للفكر مجال، وبالأخذ على اليد متى ما كان التجاوز فائقاً للحد - كما حدث في معرض الكتاب-، فالسكوت وتمرير المسألة سيجعله وأمثاله يتمادون في تصرفاتهم، ولقد عقدنا العزم على محاربة الإرهاب وقلعه من جذوره، ومن هنا تنبت جذور الإرهاب.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved