* كتب - مندوب الجزيرة:
أكثر من مائة مكتب تعاوني لتوعية الجاليات، تقوم بدورها في دعوة غير المسلمين إلى دين الحق والرشاد، وتكشف الأباطيل، والأكاذيب التي يبثها أعداء الإسلام من أصحاب الديانات المنحرفة ضد هذا الدين، وقد استطاعت المكاتب التعاونية الإسهام من خلال دورها الدعوي، توضيح صورة الإسلام الصحيحة، وكشف زيف حملات أعداء الأمة، ودخل الآلاف من غير المسلمين إلى الإسلام بفضل الله عز وجل، ثم بجهود المخلصين من القائمين على هذه المكاتب. وجاء تنظيم أول ملتقى لمديري المكاتب التعاونية لدعوة الجاليات كخطوة لتفعيل دور هذه المكاتب، والتعرف على أوضاعها وواقعها، والمشكلات التي تواجهها، وكيفية حل هذه المشكلات؟
وفي هذا التحقيق نحاول أن نتعرف على واقع هذه المكاتب، ودورها الدعوي، وكيفية التخطيط لتفعيل دورها في دعوة غير المسلمين للإسلام.
الواقع والمأمول:
في البداية يقول الشيخ علي بن سالم العبدلي مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة الجوف: لقد تبنت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد إنشاء تلك المكاتب، وأشرفت عليها إشرافاً مباشراً في كافة مناطق المملكة، في سبيل دعم العمل الدعوي والإرشادي، والتي تهدف إلى تبليغ الدعوة إلى أفراد المجتمع، وتبصيرهم بالغاية التي من أجلها خلقوا، وهي عبادة الله، من خلال تنظيم المحاضرات والدروس الوعظية، وتوزيع الكتب والأشرطة الإسلامية، ودعوة غير المسلمين من الوافدين إلى هذه البلاد المباركة، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وهذه رسالة تلك المكاتب، وهي تدعو المسلمين وغير المسلمين إلى المؤازرة في حمل هذه الأمانة، التي تنهض بهم، وتنشر في الخافقين رسالة الإسلام الخالدة، بصدق وصفاء ومودة، واثقين بنصر الله لعباده الصالحين.
ونظرة إلى واقع هذه المكاتب وإنجازاتها، نلحظ أنها تقوم بأعمال جليلة في تنفيذ المناشط الدعوية في شتى المناطق، والتي تعد بالآلاف، وهذا عمل نحمد الله عليه، ونسأله مزيداً من التوفيق والتقدم، إلا أن الحاجة قائمة للمزيد من افتتاح مكاتب أخرى، لتصل إلى كل قرية وهجرة ومحافظة، خاصة المناطق النائية منها، والتي هي بأمس الحاجة إلى مثل هذه المكاتب، في حين ينبغي الاهتمام بتوفير الطاقات، واستقطابها، لتقوم على تلك المكاتب حتى نتمكن من التفكير بالأهداف البعيدة في نشر الدين، واستخدام الوسائل العصرية في الدعوة إلى الله كما أن المأمول من هذه المكاتب وهي تنهض بعبء الدعوة إلى الله تكثيف الأنشطة الدعوية والإرشادية باستضافة كبار العلماء والمشايخ، وطلبة العلم، والتركيز على الوسائل العصرية للدعوة، مثل استخدام الشبكة المعلوماتية (الإنترنت)، إلى جانب الوسائل السابقة من إلقاء المحاضرات والدروس وتوزيع الكتب والمطويات والأشرطة وخلافه، كما أن المكاتب معنية أيضاً بتدريب العاملين لديها في مجال الدعوة، وتعريفهم بوسائلها، وطرق إدارة الأنشطة، وكيفية التخطيط ووسائل كسب الآخرين، بعمل دورات تطور طرق الدعاة في نشر الدعوة.
مهمات عظيمة:
أما الدكتور عبد الرحمن بن سليمان الهويسين مدير إدارة الجاليات بفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة الرياض فيقول: إنه لحاجة من جاء إلى بلاد الحرمين ممن يدين بالإسلام إلى معرفة الإسلام الحق، وتطوير العقيدة الإسلامية مما علق بها من أدران الشرك والبدع، وما أحاط بعبادات المسلمين لربهم من نقص وخلل وابتداع، وللحاجة إلى تعليم المسلم لغة العرب التي اختصها الله لتكون معبرة عن كلامه، أقول لأجل هذه الأمور مجتمعة كانت الحاجة ملحة إلى من ينير لهؤلاء السبيل من أجل الدخول في دين الله الذي ارتضاه لعباده، ومن أجل السير على المحجة البيضاء التي ترك رسول الهدى والرحمة - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - أمته عليها، ومن أجل تعليم هؤلاء اللغة العربية.. فقد تطوع نفر لهذه المهمات العظيمة، وأيدوا وشجعوا ودعموا من قبل ولاة أمر هذه البلاد المباركة، وفقهم الله لكل خير، وأعز بهم الإسلام وأعزهم بالإسلام، فظهر إلى العيان، ودخل ساحة الواقع ما يعرف الآن بالمكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات، كي تكون داعمة ومساندة لمراكز الدعوة والإرشاد الرسمية المنتشرة في معظم مدن المملكة، وولدت هذه المكاتب صغيرة بحجمها، وعددها، لكنها كانت كبيرة بطموح من يشرف عليها، ومن يعمل بها، ومن يدعمها، فكثرت المكاتب، وتجاوز عددها في الوقت الحاضر مائة مكتب، موزعة على مدن ومحافظات ومراكز بلادنا الغالية، وتنوعت أساليب عملها، وتعددت مجالات عطائها، واستأجروا المقار، واشتروا السيارات، ووظفوا الموظفين، واستقدموا المترجمين، وطبعوا الكتب وسجلوا الأشرطة، ونظموا الدروس، ورتبوا الكلمات، وأقاموا المحاضرات، وعقدوا الندوات، ونصبوا المخيمات، وسقوا زرعهم هذا بالإصرار والعزيمة، واحتساب الأجر من رب العباد، هذا هو واقع المكاتب في حقيقته.. فماذا نؤمل لها ومنها؟
مقرات وموظفون:
أما مقارها الحالية كما يوضح الهويسين فهي لا تفي بمتطلبات عملها، حيث إن جميع المكاتب التعاونية تقبع في دور أعدت للسكن، ولم تعد للعمل الجبار الذي تقوم به، لذا نؤمل أن نرى بأن يكون للمكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات مقار كبيرة بنيت علىأساس اكتناف أعمالهم التي يقومون بها، وتحقق لهم الراحة والطمأنينة، حيث يوضع لها مخططات تلم شمل أعمالها بداخلها، بحيث يكون للدروس فصول، وللمحاضرات قاعات، وللندوات أماكن، وللسكن غرف، وللموظفين مكاتب تتوفر في هذه المكاتب كل سبل الراحة والطمأنينة لمن بداخلها، وتكون في أماكن بارزة يسهل الوصول إليها.
وأما السيارات فإن المتوفر الآن لدى معظم المكاتب لا يغطي إلا اليسير من أعمالها، فجل المكاتب لا تملك سوى سيارة أو سيارتين، وربما إنها قديمة العهد، فمن أجل ذلك لا تحقق إلا القليل من أعمالها، ويحجمون عن توسيع دائرة أعمالها لهذا السبب الرئيس،فكم نؤمل أن يوضع للمكاتب ميزانية تدعم شراء وسائل مواصلات جديدة نفي بمتطلبات كل مكتب، حتى يستطيع أن يوصل خدماته المباركة إلى جل المستهدفين بعمله، ويستطيع تأمين وسائل المواصلات التي تجلب البعيد إلى مقار المكتب، كي يستفيد من الخدمات التي أعدت له واستهدف بها.
وأما الموظفون فإن من يعمل في هذه المكاتب في الوقت الحاضر جلهم ممن نذروا أنفسهم لهذا العمل تطوعاً واحتساباً للأجر والمثوبة من الله، وقد بذلوا من الجهد والعمل ما لا نملك معه إلا أن ندعو لهم بأن يتولى الله العاملين مجازاتهم، وأن يجعل أعمالهم حسنات تثقل موازين أعمالهم الصالحة، ويبرز من هنا أن جل العاملين ليسوا متفرغين لهذا العمل، بل إنهم مرتبطون بأعمال أخرى، وهذا مما قد يؤثر على عطائهم، حيث أن لكل عمل ظروفه ومتطلباته، وقد تفرض ظروف عمله الرئيس أو ظروفه الخاصة أن يتغيب عن المكتب في وقت ربما يكون المكتب بحاجة ملحة لوجوده فيه، فالمؤمل لمن يعمل بها أن يفرغوا جميعاً لهذا العمل الجليل، حتى يأتوا إليه وهم مطمئنون هادئو النفوس، ويعملوا أنهم قد وجهوا جل طاقاتهم لهذا العمل، فيزداد عطاؤهم، ويكون الإشراف متاحاً بدرجة كبيرة للجهة المختصة بالإشراف على أعمالهم، حيث يكون التعامل مع من فرغ لهذا العمل، وليس مع من ليس عليهم سبيل.
وأما المترجمون، فالغالبية منهم يجيد النقل فقط، ولا يملك الحس الدعوي الذي يتطلبه العمل الدوي، وربما أن الكثير منهم تكون ثقافته ضحلة لا يستطيع أن ينقل ما يقال وفق ما يراد، ولذا يبرز الأمل في أن يعاد النظر في قضية استقدام المترجمين، ولا يكون الشابع لاستقدام مترجم ما أو الزج به في ميدان العمل الدعوي كونه قد حصل على شهادة جامعية من إحدى جامعات المملكة، بل يوضع من الشروط ما يحقق الهدف الذي من أجله استقدم هذا المترجم، وأن يركز في الاختيار على من عرف عنه العلم، والحس الدعوي، واتصافه بالحكمة في جل كلامه، وأفعاله، ومن يكون له تأثير في المستمعين بما وهبه الله من أسلوب يجذب ولا ينفر مع إعطاء الأولوية لمن درس في جامعات المملكة.
وأما الكتب والأشرطة، فقد قامت المكاتب بترجمة العديد من الكتب إلى مختلف اللغات وطبعتها، كما ألفت الكثير من الكتب، وطبعت بمختلف اللغات، وكذا الحال بالنسبة للأشرطة المسموعة والمرئية، حيث سجل العديد منها، وتم توزيعه، إلا أنه للأسف يلحظ الازدواحية والتعددية والاختلاف في هذه القضية، فلكل مكتب مترجمه الخاص الذي يقوم بترجمة الكتاب، وله المطبعة التي يتعامل معها لطبع منشوراته، أو المؤسسة التي تسجل وتنسخ له الأشرطة، من أجل ذلك تبرز الأهمية العظمى إلى وجود جهة اشرافية حقيقية تتولى تنظيم مثل هذه الأمور، فالترجمة فن لا يجيده كل أحد، حتى ولو كان يستطيع أن يتكلم اللغتين، من حيث اختيار المتحدثين الأكفياء، والاستفادة من كبار العلماء الموثوق بمنهجهم ومعتقدهم وفكرهم ممن يقومون بزيارة للمملكة بين فترة وأخرى، والاستفادة من علمهم لتوجيه بني جلدتهم عن طريق المحاضرة أو الندوة التي يعد لها إعداداً متقناً ويختار لها أفضل الأماكن، وأنسب الأوقات، فبهذا سوف يتحقق الهدف بل الأهداف الكثيرة، مما وضع لحظة تنظيمها بإذن الله.
مخيمات عشوائية:
وتناول د. الهويسين المخيمات الدعوية، أو مخيمات الإفطار، قائلاً: بأنها وسيلة فاعلة محببة لكل من ينضوي تحت لوائها، لكنها وللأسف تميل إلى العشوائية في سير أعمالها، وقد يعود السبب الرئيس في هذا إلى أن أماكن اقامتها لا تحق قما يرجوه القائمون عليها، نظراً لعدم توافر المناسب من الأمكنة، لأن المكان لا تتوفر فيه صفات المخيم الحقيقي، ولا يحقق جراء ذلك الانضباط والتنظيم الكاملين، ولذا فالأمل أن يركز على مثل هذه المخيمات، ففيها الخير الكثير، وهي محببة لنفوس من ينضوي تحت لواءها لاعتقادهم أنه يحصل فيها من الترويح عن النفس ما لا يحصل في محاضرة أو درس أو ندوة، فليعد لهذه المخيمات الإعداد الجيد وليختار من يشارك فيها ممن يتصف بصفات معينة تتناسب، وطبيعة المخيم، وليختار الأوقات المناسبة وكذلك الأماكن المناسبة، وليوضع لها من البرامج ما يناسب طبيعة وجو المخيم، وليبتعد فيه عن الروتين الممل، هذه نظرة سريعة مني على واقع المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات، ونظرة أمل لمستقبل مشرق لهذه المكاتب، وكل ما قيل فهو لا يسلب هذه المكاتب حقها من الإشادة والإعجاب، ولا ينقص من نظرة الاحترام والتقدير لما يقومون به من أعمال جليلة.
|