تنبهت ماليزيا مبكراً ومنذ تخلُّصها من الاستعمار البغيض عام 1963م وقيام اتحادها، واختيارها نظام الملكية الدستورية، إلى التحديات الكثيرة التي تتربَّص بها، فسارعت إلى اختيار نظام حكم ديمقراطي وفيدرالي لها، مع ضمان حق المواطن في الحياة وحرية التعبير والتجمُّع والتنظيم وعدم الاعتقال العشوائي وتحريم الرق والمساواة وحرية التنقل وحرية الدين وحرية التعليم وحق التملُّك.
وهذا البلد الإسلامي الذي زاره الملك عبد الله بن عبد العزيز، وتفاعل مع زيارته جموع الشعب الماليزي بكل شرائحه وتوجهاته ولغاته ومعتقداته الدينية، رأيناه يلتزم بما ضمنه له دستور مملكته الدستورية، وقد أغناه هذا الدستور عن أي محاكاة أو تأثُّر بالغير، وبالتالي جنَّبه الكثير من المشكلات، مثلما أنه ساهم في توجيه هذا الشعب إلى العمل المنتج لبناء دولة عصرية تتمتَّع بكل هذا التطوُّر السريع في مختلف المجالات.
وحين تستقبل دولة كماليزيا، وشعب كهذا الشعب الذي يصل مستوى التعليم بين صفوفه إلى ما يزيد على تسعين بالمائة، الملك عبد الله بمثل ما استُقبل به من حفاوة وترحيب وشعور بالسعادة لزيارته، وتفاؤل بنتائج مباحثاته مع قادتها والاتفاق معهم على ما يعزِّز ويزيد من فرص التعاون بين بلدينا؛ فهذا يعني فيما يعنيه مكانة المملكة في قلب كل ابن من أبناء الشعب الماليزي الشقيق، وتقديرهم للعلاقة المتميزة بين شعبينا.
إن اقتراب عدد مَن يزور ماليزيا من السعوديين من المائتي ألف شخص سنوياً يقصدون السياحة والاستمتاع بالطبيعة هناك، وما يقابله من استقبال المملكة سنوياً لما يقترب عددهم من العشرين ألف حاج ماليزي سنوياً، يظهر أهمية أن يقوم خادم الحرمين الشريفين بزيارة لهذا العملاق الاقتصادي الكبير في جنوب شرقي آسيا ضمن سياسة التحالفات الاقتصادية بين الدول، وبخاصةٍ أن المملكة وماليزيا أصبحتا الآن ضمن منظومة منظمة التجارة العالمية.
إن أكثر علامات الاحتفاء الماليزي بالملك عبد الله وضوحاً وأهميةً ذلك التكريم الذي أُحيط به خادم الحرمين الشريفين من الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا؛ فقد منحته شهادة الدكتوراه الفخرية في التنمية الإسلامية، كما منحته الوسام الملكي الأول للتميُّز في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية، وذلك في احتفال كبير بهذه المناسبة.
وقد تقبَّل الملك عبد الله شهادة الدكتوراه ومثلها الوسام، مقدِّماً الشكر للقائمين على الجامعة على قرارهم بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية في التنمية الإسلامية والوسام الملكي للتميز في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية، وأنه مع قبوله لهما يعتز بهذا التكريم.
وهذا الوسام الملكي يعدُّ أغلى الأوسمة والدرجات التي يمكن للجامعة الإسلامية العالمية أن تمنحها لقائد متميِّز كعبد الله بن عبد العزيز، وهو من جامعة لها دور بارز ومحوري في العلاقات بين الدول الإسلامية لدعم قضاياها، كما أنها منذ إنشائها عام 1983م وهي عضو في الاتحاد الدولي للجامعات واتحاد جامعات الكومنولث واتحاد جامعات العالم الإسلامي ورابطة الجامعات الإسلامية؛ مما يؤكِّد مكانتها العلمية.
وهذا التكريم لا يعدُّ - في نظرنا - تكريماً لعبد الله بن عبد العزيز فحسب، وإنما هو تكريم للمملكة وللشعب السعودي بعمومه، وإضاءة أخرى ضمن إضاءات عبد الله بن عبد العزيز على الطريق الذي يؤدِّي إلى استمرار هذا التميُّز في العلاقات بين البلدين الشقيقين.
وغداً نبدأ الحديث عن باكستان..
|