شهدت ندوة الوفاء الخميسية للشيخ أحمد محمد باجنيد حضوراً غير عادي للاستماع إلى حديث معالي الدكتور محمد عبده يماني. وكان موضوع الحديث (الثروة المعدنية في السعودية ومستقبلها ودورها في النهضة القادمة). وأستطيع الجزم بأن شخصية المتحدث كانت هي الجاذبة، وليس الموضوع نفسه الذي يصنف ضمن الموضوعات العلمية التخصصية؛ فالدكتور محمد عبده يماني المتخصص في الجيولوجيا أكاديمياً كان وزيراً للإعلام لسنوات عديدة، كما تولى منصب وكيل وزارة المعارف، وهو أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز في مجال تخصصه، وهو خارج هذه الأطر الرسمية داعية إسلامي وكاتب له العديد من الكتابات عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وغزواته، ومن أبرزها (علموا أولادكم حب النبي صلى الله عليه وسلم).
وكنت شخصياً لمعرفتي بهذا الجانب لدى الدكتور يماني آمل أن يغير موضوع الندوة إلى حديث الساعة فيما يخص الإساءة التي تعرض لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الدنماركيين تحت دعوى حرية التعبير وحرية الفن التي ينبغي أن يعاد النظر فيها من قبل النقاد والأدباء الذين يصرخون كثيراً في وجه من يدعوهم إلى الالتزام الخلقي أو (الديني) في مجال الفن بأنواعه الأدبية والتصويرية، وكان هذا الأمل في تغيير موضوع الندوة يراود آخرين أيضاً عبروا عنه خلال تعليقاتهم ومداخلاتهم، غير أن الدكتور يماني شدّ الجميع بحديثه السهل الممتنع في موضوع واسع سعة المملكة، ومتنوع تنوع المعادن، وعميق عمق الدهور التي لا يعلم مداها إلا الله سبحانه في تشكل هذه المعادن، وأود أن أسجل ملحوظات صغيرة هي انطباعات عن الحديث الذي تفضل به معاليه، وهي:
1 - العفوية في الحديث؛ مما جعل كلماته قريبة من الجميع.
2 - البساطة في عرض المعلومات؛ لأن الدخول في التفاصيل كان سيجعل الحديث مملاً، ولا طائل من ورائه.
3 - سعة الاطلاع والأفق في الحديث؛ كونه رجل علم وإعلام ودعوة وتربية وإدارة.
4 - الرؤية التفاؤلية للمستقبل، والتي أصرّ عليها من خلال ردوده على عدد من التساؤلات المتأثرة بالتصريحات الإعلامية للرئيس الأمريكي حول إمكانية استغناء الغرب عن البترول العربي عامة والسعودي خاصة.
5 - عدم إعطاء إجابات قطعية لقضايا مفتوحة فيما يتعلق بالمستقبل؛ لأن المستقبل بيد الله سبحانه مهما قيل وطرح من مقولات.
6 - أظهر معالي د. يماني اهتماماً بالغاً بثلاث قضايا أثارتها المداخلات العديدة وهي:
- مستقبل الشباب السعودي عامة، والجامعي خاصة، في مجال الاستثمار؛ إذ اعتبر معاليه أن كل استثمار لا يشمل الإنسان فإنه يعد محدوداً وليس له عمق.
- علاقتنا وعلاقة الغرب بإفريقيا؛ حيث حمّل معاليه العرب مسؤولية التخلي عن إفريقيا للغرب الذي ينهب ثرواتها دون مقابل، فيما كان أجدادنا الأوائل ينشرون الإسلام في إفريقيا سلمياً، وإفريقيا تنتظر المسلمين والعرب خاصة لإنقاذها من الضياع!
- القضية الدنماركية وواجب الدفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرغم اتفاقنا جميعاً على التصرف السيئ غير المقبول أبداً في موضوع الرسوم، إلا أن معاليه قال: ماذا نقول أمام الله - سبحانه وتعالى - إذا قال الدنماركيون: إن هؤلاء المسلمين لم يبلغونا الإسلام بلغتنا، ولم يعرفونا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؟ مما أعاد القضية إلى جانبها الإيجابي في الدعوة، رغم الحاجة في أحيان كثيرة إلى جانب الدفاع السلبي، سواء بالمقاطعة أو الردود بالمقالات والبرامج الإعلامية المتنوعة التي تعتمد على رد الفعل لدينا.
7 - آلة عرض الصور (البروجيكتور) الحاضرة الغائبة جعلت د. يماني يعتذر مراراً!
8 - كانت روح الدعابة اللطيفة ترافق حديث معاليه عندما جعل الحضور المحتشد يضحك بصوت مسموع أكثر من مرة، وهي صناعة يحتاج إليها الكثيرون، ولكن لا يستطيعون استحضارها.
|