Friday 3rd March,200612209العددالجمعة 3 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

حكايتي مع الجنادرية حكايتي مع الجنادرية
وسيلة محمود الحلبي

تتأرجح الأحلام في فضاء حبها الواسع وأشواقها الطامحة تبحث لها عن مستقر في واقع جميل، فلا ترى أحلى نمطاً ولا أعز رهطاً مما في الجنادرية، بدأت زيارتي للجنادرية في دورتها الأولى عضوة وكنت حينذاك محررة بجريدة (عكاظ) من هنا بدأت خيوط الحب تنسج في قلبي ومن هنا بدأ حبي للتراث ولرائحة الطين والتراب والغبار التي كانت تملأ وجهي ورموش عيني وعباءتي وغطاء رأسي، كانت الجنادرية أرضاً رملية تعج بالغبار، كانت طفلة رضيعة رائعة الجمال وعاماً بعد عامٍ كبرت الطفلة واتسعت معالمها، وكبرت معها مداركي التراثية والثقافية فأصبحت الجنادرية شابة في الواحد والعشرين وأصبحت ملاذاً فكرياً وعطاءً تراثياً وثقافياً عظيماً، وفي هذا العام وبعد واحدٍ وعشرين عاماً قضيتها بين ردهات القاعات والساحات والأروقة والغرف والأجنحة والمايكروفونات ومعارض الكتاب والأسواق الشعبية، والحرفيات، ومشاركتي بتغطية الفعاليات المختلفة من ندوات ومحاضرات وأمسيات شعرية وقصصية، وفنون تشكيلية واستعراضات تجمع في نفسي كل مذاهب الآداب لأحس بنفسي، أتجمع في تناثري الغريب وأتساءل؟؟ أفي حلم أنا أم في يقظة؟ هل الماضي يعيش في صدري أم أن المستقبل يبدو ماثلا أمام نظري، إنه الماضي التراثي الجميل، والحاضر الرائع الذي نتعايشه ونشاهده في مملكتنا الغالية.


صارت رمال البيد فخر المنى
مهوى قلوب الناس خير الديار

فاليوم وفي المهرجان الوطني للتراث والثقافة الواحد والعشرين استرد أنفاس واحدٍ وعشرين عاماً استمتعت بها بالمهرجان من خلال وجودي عضوة إعلامية، اليوم تلتقي الأنفاس جميعها مسيرة المرأة المشرقة في الجنادرية والتي أولاها المسؤولون الثقة وكانت على قدر هذه الثقة بل وأكثر، في هذا العام أعود لمصافحة الجنادرية مرة أخرى، اليوم أرفع رأسي عالياً لأصافح التاريخ وأنا أسجل وأوثق أعمال المرأة ومشاركتها وهي ترضع أطفالها من نهل هذا التراث العظيم، اليوم أقف بكل فخرٍ واعتزاز حيث أقدم شيئاً قليلاً من كثير مما أكنه لهذا البلد المعطاء ورجاله ونسائه الكرام والتقي معكم في هذه الملحمة الثقافية والتراثية من ملاحم العطاء الجميل.مر الزمان.. عاماً بعد عامٍ.. واحد وعشرون عاماً من عمر الجنادرية.. كان للوطن خارطة على أحداقنا نغتسل بدموع الخوف.. آهٍ ما أغلاك يا وطن.. اعتدنا السهر لأجلك، ونحن في الجنادرية نشتاق كل عام لهذه الملحمة الوطنية، ولجدران الطين وعمائر الزجاج الشامخة بصوت السواني، ومصانع تحلية المياه، لعربة الغاز وناقلة النفط.. مر الزمان.. ومر واحد وعشرون عاماً وما زالت الجنادرية في نبضي، وما زالت المرأة تحمل نفس الإصرار والمثابرة والعطاء تشارك الرجل رسالته الحضارية في بناء الوطن، وتربية الأجيال والدخول في مجالات الطب والهندسة والديكور والتعليم، أصبح لها صوت ومقعد في مجلس الشورى، والوزارات ووصلت إلى العالمية، وفي الجنادرية استلهمت المرأة هذا الموروث الهائل، وشربت رموزه ليكون الركيزة الأساسية في رسالتها نحو الأجيال ولتدرك جيداً أن مسؤوليتها كبيرة تكمن في أن تربط بين ما تطرحه للنشء من ثقافة وأساليب تربوية، وبين تلك الثروة الكبيرة من الموروث لكيلا ينفصل جيلنا عن مرتكز مهم في بنائه الثقافي والتربوي.وتبقى المرأة في الجنادرية مثالاً في العطاء الإنساني، وتبقى شريكة الرجل في البيت والعمل والتفكير والعطاء والبناء.. لذا كانت مشاركة المرأة في الجنادرية، ولذا أفسح الحرس الوطني المجال وفتح لها الباب على مصراعيه لتبدع في الجنادرية في المجالين الثقافي والتراثي، ولهذا لم تغفل الجنادرية دور المرأة التراثي والثقافي ولم تهمل تأثيرها فكرياً فها هي الجنادرية تطرح نماذج من حياتها القديمة، فقد قاسمت الرجل شظف العيش، وكانت له دافعاً على العمل والعطاء والإنتاج وشاركته العمل في ظل ضجيج العادات ومستقيم الأعراف، ويمضي اهتمام الجنادرية بالمرأة إلى إبراز دورها الثقافي قديماً وحديثاً، فلم تقتصر مشاركتها في إطار تسجيل تراثها المادي أو استعراض تراثها الفكري، بل اتسعت مشاركتها خلال عشرين عاما إلى إبراز دورها الحضاري المعاصر ثقافةً وفكراً، أدباً وفنوناً، تربيةً وسلوكاً، صانعة أجيال وباعثة نهضة، فتحملت مسؤولية اللجان النسائية بكل معطياتها وكانت على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها، فأبدعت وأعطت وأخلصت ونجحت فأرض الثقافة لا تعمر ولا تخصب ولا تعطي إلا بأهلها، بتواصلهم وتفاعلهم وتناصرهم على الحق، ولا تتزين إلا بسداد الرأي وأصالة الإبداع، وصدق الانتماء، ومصداقية الأقوال وحيوية الوجدان.. هكذا كان دور المرأة في الجنادرية.
وللجنادرية دور تربوي عظيم فالشعور بعظم المسؤولية تجاه الجيل الجديد الذي هو أمانة في أعناق القائمين على شؤون التربية والتعليم، لذا كانت ومازالت الجنادرية مركزاً مهماً من مراكز الثقافة والبناء وميداناً رحباً للأدباء والمعنيين لتقديم المفاهيم التربوية الأصيلة، فنشاهد في الجنادرية أباً يقف إلى جوار صاحب مهنة معينة، أو بجانب قطعة أثرية نادرة ليروي لأبنائه أهمية حياة الناس في السابق فهذا هو الهدف التربوي الذي يسعى إليه المسؤولون في المهرجان الوطني للتراث والثقافة.
ومتى أدرك هذا الجيل صعوبة حياة الآباء والأجداد وإصرارهم على مواجهته، تتولد لديهم العزيمة وترتفع الهمة ويبقى دور الآباء كبيراً في هذا الخصوص، فكل فرص التلقين غير المباشر متوافرة ويبقى التأثير الجيد من الآباء مطلوباً في تكوين سلوك الأبناء، ومنحهم ركائز أساسية تدفعهم إلى البذل والعطاء وحب الوطن والتضحية من أجله.
الجنادرية.. ضرورة حضارية لتعميق الإحساس بالتاريخ والحضارة بالذات والأصالة، ذلك أن التراث الحضاري بصفة عامة يتجلى بشكلٍ خاص في النتاج الرائع لمواهب الأمة وأخلاقياتها وسلوكياتها، وحين تتاح مناسبة على هذا النتاج فسوف تتاح أمام الأجيال الجديدة فرصة رائعة لرؤية أنفسنا والتطلع إلى مستقبلنا على المدى البعيد ومن ثم تشحذ الهمم فنتقدم نحو المزيد من الرقي والرفعة والازدهار.
وعلى الجانب الثقافي في يمثل مهرجان الجنادرية حلقة وصل بين عدة أجيال وعدة ثقافات في آنٍ واحد، فهو يصور للصغير حياة الكبير قديماً، ويمسح الغبار عن ذاكرة الكبير حديثاً، ويطلع ابن الشمال على فن العمارة العسيري القديم، والحجازي على رقصات الأحساء الفولكلورية، ويذوق الجيزاني الكليجيا القصيمية، وذلك سعياً لتحقيق الهدف النهائي وهو احداث التفاعل بين ثقافات مختلفة في بلدٍ واحد، وفي إطار النشاط الفكري فإن أفراد تلك النخبة من الأسماء اللامعة كل عام في سماء الفكر والثقافة يعرضون من خلال الندوات بما يشغل بالهم إفادة للحضور بآرائهم وأطروحاتهم والخروج بأرضية مشتركة يقوم عليها البناء الثقافي العربي دون توجه أو ميل نحو ايديولوجيات معينة، فالمهرجان بكل أبعاده رسالة فكرية ترسلها الثقافة العربية إلى أبنائها ومواطنيها.فالمهرجان الوطني للتراث والثقافة يحمل كل الطموحات مؤكداً رغبة المثقف والمفكر العربي الأكيدة في التواصل والحوار بعيداً عن إيديولوجية السياسة التي أوجدت الحدود عند العرب، إذن إن الأمم الحية تسعى جاهدةً على أن تبصر أبناءها بدور أجدادهم وإسهاماتهم الحضارية وتحرص كل الحرص على ما خلفوه من تراث حتى لا تضيع هويتها، وينسى الأبناء فضل أجدادهم في زحمة التطور المعاصر الذي قفزت فيه حضارة الإنسان قفزاتٍ عظيمة أتاحت لها أن تحدث اثاراً كانت أقرب إلى الخيال.
لحظة دفء:
فليطرب سعف النخيل في هذه البلاد الغالية
ولتزهر الورود مرحبة بالجنادرية
ولتدقق الطبول وتزغرد الدفوف
لرجال الحرس الوطني، وللقائمين على المهرجان الوطني للتراث والثقافة ولإدارة المهرجان ألف تحية وباقة ورد.. على هذه الجهود الجبارة لإنجاحه والوصول إلى الغايات والأهداف.
وتحية للجنود المجهولين.. الذين هم خلف الكواليس يعملون بصمت وبجهد وبحب لهذه البلاد الغالية.
مرحباً ألف بك يا مهرجان الجنادرية
مرحباً ألف برجالك الكرام
ونسائك الكريمات.
ومليون تحية للجنادرية التي هي حقاً المعلم الأشد وضوحاً، والملتقى الأكثر إشراقاً والتجمع الأخصب فكراً.
كاتبة ومحررة صحفية، عضو اللجنة الإعلامية
بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة الواحد والعشرين

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved