Tuesday 14th March,200612220العددالثلاثاء 14 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"تحقيقات"

مشروعات زراعية تكاد تخفي معالمها أمام أعين الآثار والسياحة: مشروعات زراعية تكاد تخفي معالمها أمام أعين الآثار والسياحة:
(الرّامتان) كثبان رملية جنوب البدائع تغنَّى بجمالهما الشعراء

* تقرير - عبدالعزيز السحيباني:
رامتان مثنى (رامة) وهما كثيبان رمليان (جنوب محافظة البدائع بالقصيم، بحوالي 15 كم وهما (رامة الشرقية) و(رامة الغربية).. وهذان الكثيبان متقاربان.. ويبلغ طول كل واحد منهما حوالي 4 كم.. وهما متفردان.. ولكن ذكرهما سارَ مسير الشمس وامتلأت بطون الكتب بهما.. وكلف بهما الشعراء حتى إنك لا تجد شاعراً من شعراء الجاهلية وصدر الإسلام وفي عصرنا الحاضر إلا ذكرهما في شعره.. وقل أن تطلّع على ديوان من دواوين الشعر لم يذكرهما.. وربما أن البعض من الشعراء لم يروهما ولكن لكثرة وصفهما على لسان الشعراء ذكروهما.. كما نذكر نحن جبال سويسرا.. أو شلالات (نياجرا).. (رامتان) هما ساحرتا الشعراء وملهماتهما بسحر بديع أخَّاذ.. فهم ذواتا منظر خرافي الحسن.. وخاصة في أيام الربيع. حيث تنقلب أرضهما إلى بساط سندسي موشَّح بزخارف بديعة من زهور بيضاء ناصعة وبنفسجية وبرتقالية وحمراء.. من زهور الاحقوان والخزامي وبنات الربل والبسباس والرِّمث.. وحين تصدح البلابل في رياض خضراء مزهرة.. وسماء زرقاء صافية.. ومياه متلألئة في خباري (رامة) و(المضابيع).. فوق رمال ذهبية تشع باللآلئ.. من المرو.. وحبَّات الرمل المغسولة بماء المطر.
طه حسين و(رامتان)
طه حسين عميد الأدب العربي.. سمَّى دارته بالقاهرة ب(رامتان) تخليداً لذكراهما.. ولأنه أديب يعرف قيمتهما.. نظراً لأنه يقرأهما في كل كتاب يتحدث عن أديب عربي أو ديوان من دواوين الشعر.. ويمكن أن تكونا.. أكثر معلم جغرافي وأشهر معلم مرَّ عليه خلال مطالعاته وسماعه لقصص العرب وأشعارهم.. في جزيرة العرب ولا تزال (رامتان).. دارة طه حسين باسمها في القاهرة.. ولكن الكثيرين من أبناء وطننا لا يعرفون شيئاً عن (رامتان).. حدثت لذلك قصة طريفة: وهي أن وفداً من أدباء المملكة زار عميد الأدب العربي طه حسين.. ومعهم علامة الجزيرة المرحوم (حمد الجاسر) وذلك في دارته (رامتان).. فسأله أحد أعضاء الوفد الثقافي السعودي: (ما معنى رامتان) يا دكتور؟!! وسكّن الميم (يحسبها معلماً فرنسياً)؟! فتعجب الدكتور طه حسين من هذا السؤال.. وقال بدهشة: يا بني رامتان.. عندكم في السعودية وبالأخص في نجد بالقصيم.. وهي مذكورة كثيراً في الشعر العربي..!!
أشعار في رامة
لقد كلف الشعراء برامة وذكروها كثيراً في أشعارهم.. نظراً لموقعها الفريد ومرعاها المتميز ووجودها على طريق (الحاج البصري).. وهذا في عهد الدولة الأموية والعباسية.. وإلا فإن شهرتها كانت قبل ذلك بكثير.
قال جرير:


بان الخليط فعينه لا تهجع
والقلب من حذر الفراق ملوّع
ود العواذل يوم (رامة) أنهم
قطعوا الحبال وليتها لا تقطع

وقال أيضاً:


حي الغداة (برامة) الأطلالا
رسما تحّمل أهله فأجالا

وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:


عفا رسم (برامة) فالتلاع
فكثبان الحفير إلى لقاع

قال الشيخ محمد العبودي في معجم بلاد القصيم: (قُرِنَ ذكر رامة بذكر التلاع وكثبان الحفير، أما التلاع فهي في شرقي البدائع ومنها محلة فيها تدعى أم تلعة وأما الحفير فهو ماء اسمه الحفيِّرة، ويقع جنوب غرب عنيزة).
وقال الحطيئة:


تعذر بعد (رامة) من سليمى
أجارع بعد رامة الهجول

وقال أبو داوود الأيادي من أقدم شعراء الجاهلية:


من ديار كأنهن وشوم
لسليمى برامة لا تريم
وقال زهير بن أبي سلمى
لمن طلل برامة لا يريم
عفا وخلاله عهد قديم

وقال الفرزدق:


أعيناني على زفرات قلب
يحن برامتين إلى النوار
نداء للهيئة العليا للسياحة

قال الشيخ محمد العبودي ومن الأمثال القديمة الشائعة: (تسألني برامتين سلجماً)
والسلجم هو (اللِّفت) يضرب لطالب حاجة عسرة.
ذكروا أن أصله أن رجلاً مرضت زوجته وهما برامة في طريق الحج فاشتهت سلجماً فقال:


تسألني برامتين سلجماً!!
إنك لو سألت شيئاً أمماً
جاء به الكري أو تجشماً

وذلك لأنه لا يوجد برامة في ذلك الوقت سلجم فلا زراعة موجودة غير الصحاري - ولكن أهل رامة معاندة لقائل الأبيات أوجدوا فيها سلجماً كثيراً.
وفي وقتنا الحاضر زادت معاندتهم لقائل هذا البيت بشكل غير طبيعي.. فقد دمرت رامة عن آخرها.. واختفت معالمها.. وزرعت عن آخرها قمحاً وبرسيماً..!! وأحاطت بها العقوم الترابية والأسلاك الشائكة من كل جانب ورميت فيها مخلفات البناء والأحجار.. ونقلت منها الرمال بشكل يبعث على الأسى على ضياع هذا المعلم التاريخي الذي لا نعلم معلماً تاريخياً رملياً إلا تغير اسمه القديم عن اسمه الحالي ما عدا (رامتان).. فقد تغيرت أسماء الجبال أما رامة فلم تتغير.. ومع ذلك دُمِّرت بالقوة.. وهنا أناشد إدارة الآثار والهيئة العليا للسياحة بالحفاظ على هذا الأثر.
منزل الحج البصري
طريق الحج البصري طريق قديم للقوافل أُنشئ عبر كثبان وصحاري الجزيرة العربية في عهد الدولة العباسية وذلك لهداية الحجاج وعدم ضياعهم في هذه الصحاري والكثبان.. وتوجد عليه (أميال) أو أعلام.. وأنشئ في عهد خلفاء بني العباس، عليه محطات استراحة للحجاج تُسمى (منازل) وبينها محطات أصغر تسمى (متعشيات)؛ و(منزل رامة) يعتبر من أشهر منازل طريق الحاج هذا يحتوي على (آبار) مطوية في الصخور وتُرى الآن على شكل (دوائر) تظهر أنها آثار (دفان) وحضر أحدها فوجد مطوياً في الصخور الصلبة
قال الحربي: ومن القريتين إلى رامة: أربعة وعشرون ميلاً، وبرامة آبار كثيرة وفي رامة شعر كثير لا يُحصى، وعلى ذكر رامة فإنه حسبما رواه الجاحظ كان في رامة بئر فيها هواء يمنع الأشياء الخفيفة من الوصول إلى قعرها، قال: حدثني رجل من بني هاشم قال: كنتُ برامة من طريق مكة، فرميتُ بئرها ببعبرةٍ فرجعتْ إليَّ ثم أعدتُها فرجعتْ فرميتُ بحصاةٍ سمعتُ لها حفيفاً وحريقاً شديداً وشبيهاً بالجولان الى ان بلغت قرارة الماء. وهذا يدل على عمق آبار رامة قديماً ووفرة مياهها حيث تقع على حافة الدرع العربي، وربما يكون بمنزل رامة هذا (بركة) لجمع مياه الأمطار وقد طمرتها الرمال حيث تقع في (ملتفى تلاع)؛ وأدعو إلى اكتشافها.
كما توجد حول هذه الآبار وخاصة في الشرق.. أكوام من الحجارة التي تظهر كأساسات لمبانٍ كبيرةٍ وضخمةٍ وقد دققتُ النظر فيها فوجدتُ أثر آنية فخارية من السائدة في العهد العباسي.. وهذا المنزل الأثري تُرك للعبث به فرميت الجيف في هذا البئر المحفور من الآبار المطمورة وعين بالأحجار وأساسات المباني؛ وإني أنادي من ها هنا بالحفاظ على هذا الأثر الإسلامي (منزل رامة) قبل أن تُدمِّره الآلات الزراعية.
وضمن كتاب (الاستيطان والآثار الإسلامية في منطقة القصيم) لمؤلفه الأستاذ عبدالعزيز بن جار الله بن إبراهيم الجار الله وهو مؤلف قيم ونادر من نوعه لهذا الباحث الآثاري قال في وصف موقع رامة الأثري: يحتل الموقع الأثري الحالي المنحدر الغربي للهضبة جزءاً من السهل الممتد إلى الغرب.
وتطل الهضبة على فرع وادي (رامة) ويغطي الموقع دائرة نصف قطرها حوالي 500 م وبحكم مرور فرع الوادي بمنتصف الموقع، فإنه يرتبط به ويجزئ الموقع إلى جزأين شرقي وغربي، فالجزء الشرقي يضم القصر والنقوش القديمة والآبار المتجاورة وهي على حافة الهضبة الغربية، أما الجزء الغربي فيضم الآبار المنفردة والآبار الملحقة بها أحواض، وبقايا الأفران الصغيرة التي استخدمت أما لصنع الفخار أو طبخ الجص الذي استعمل في البناء، وهناك المنشآت المعمارية السكنية تتوزع بين الأجزاء الشرقية والغربية، أما المعثورات خاصة الكسر الفخارية فإنها تنتشر على سطح الموقع في مواقع متفرقة ولكنها تشاهد قرب القصر من جهته الجنوبية الغربية وأيضاً قرب الأفران، إضافة إلى كتابة إسلامية عُثر عليها بجانب إحدى المنشآت السكنية وهي مكتوبة على صخرة فقدت معظم أجزائها.
وعن (قصر رامة) يقول الأستاذ الجار الله: يقع القصر في الحافة الغربية من الهضبة ويقوم على أرض صخرية صلبة، ولقد تهدمت معظم أجزائه العلوية ولم يتبقَ إلا أساساته، موضحة بذلك تخطيطه وهو مستطيل الشكل طوله 39م وعرضه 30م، ويحيط به اثناء عشر برجاً سُمك جدارِها يبلغ متراً تقريباً، أربعة منها رئيسة وتقوم في الأركان الأربعة للقصر، أما الثمانية الأخرى فهي موزعة بواقع برجين لكل ضلع تقومان في منتصفه، والأبراج بشكل عام نصف أسطوانية، ويبلغ قطر الأبراج الركنية 3.5م، أما الأبراج الأخرى فيبلغ قطرها 2.5م، أما البوابة والأسوار فإن البوابة الرئيسية تقع في الضلع الغربي وقد اختفت معاملها ولم تكن واضحة وذلك لتساقط الأسوار وتراكم الحجارة في منتصف هذا الضلع بين برجين أوسطين.
أما عن الوحدات المعمارية لقصر رامة فيقول: (ومن خلال أساسات القصر ووضعه الراهن، فإنه يتبين لنا أن مخطط القصر ينقسم إلى ثلاث وحدات معمارية جنوبية وشرقية وشمالية وتتوسطها ساحة.. وتتكون الوحدة الشرقية من 6 غرف.. والوحدة الشرقية من 7 غرف.. وتماثل الوحدة الشمالية الوحدتين الجنوبية والشرقية).
أما عن آبار رامة وأحواضها فيقول: تقع هذه المنشآت في الجهة الغربية من موقع رامة وهي عبارة عن آبار منفردة وآبار ملحقة بها أحواض تربط بينها قنوات سطحية صغيرة ومكشوفة.
والآبار هي آبار منفردة وغير ملحقة بها أحواض، ومحفورة في طبقة رسوبية خليط بين الرمل والجير قوية التماسك..
أما الآبار والأحواض فهي تقع في الجزء الشمالي الغربي من الموقع وهي مدفونة في الرِّمال، ولكن يمكن مشاهدة بعض ملامحها وأجزائها العلوية وهي تأخذ شكل المحاور، بحيث يمتد المحور من الشرق إلى الغرب مشكلا ًثلاثة خطوط وتتعاقب الآبار والأحواض فيما بينها بحيث ترتبط بالبئر عبر قناة سطحية مكشوفة ويمكن أن يُغذِّي الحوض الواحد بئرين.
أما الآبار المتجاورة: فهي عبارة عن آبار متجاورة على شكل شريط ممتد من الشرق إلى الغرب وبطول حوالي 100م وتقع في منحدر الهضبة في الركن الجنوبي الغربي من القصر وتبعد عنه حوالي 47م وينحدر مستوى الآبار حتى نهاية سطح الهضبة.. والآبار المتجاورة مدفونة بالتراب والرديم ومن خلال أجزائها العلوية فهي آبار محفورة في الصخر.
وأؤيد الأستاذ الجار الله في دعوته إلى استشكاف موقع رامة وإجراء حفريات فيه للكشف عن القنوات والبرك والمعثورات الآثارية ومنع التعدي عليه من قبل المزارع.. ومنع إلقاء النفايات فيه.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved