Wednesday 15th March,200612221العددالاربعاء 15 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

هل يسعنا الانعتاق من (قبضة) تفكيرنا الجمعي؟ هل يسعنا الانعتاق من (قبضة) تفكيرنا الجمعي؟
د. عبدالله البريدي *

التفكير الجمعي: الماهية والحتمية
يشير التفكير الجمعي إلى لون من التفكير التراكمي المرتبط بالذاكرة الجمعية في سياقها التاريخي والجغرافي. والتفكير الجمعي لا يوجه تفكير بعض أفراد المجتمع فحسب وإنما يصطبغ به عموم الأفراد؛ إذ إنه يشكّل الإطار العام لتفكير المجتمع، بل المصنع الذي تصنّعُ داخلَه (الأجهزة المعرفية) التي يتم تركيبها في عقول الناس، وتتكوّن تلك الأجهزة من (منظومة) و(أخلاط) من المعتقدات والقيم وطرائق التفكير وأدوات التحليل والمفاهيم والمصطلحات، كما تعبئ تلك الأجهزةُ العقولَ بكمية من العادات، والاتجاهات حيال القضايا والأحداث والأشخاص، وقواعد السلوك الصحيحة والخاطئة، تقل تلك الكمية أو تكثر وذلك بحسب قوة أو هيمنة التفكير الجمعي.
ويعني ذلك أن التفكير الجمعي (ينمّط) تفكير عموم أفراد المجتمع تجاه القضايا والمشاكل والأزمات العامة، ويلبسهم (نظارةً حضاريةً) يُبصرون بها ويقيّمون ويخططون وينفّذون ويحبون ويكرهون!.
وهذه إيجابية للتفكير الجمعي - تماماً كما التفكير الروتيني مفيد في حياتنا اليومية - حيث يجهّز التفكيرُ الجمعيُ المجتمعَ برأي عام (تلقائي) و(مبدئي)، كما يبرمج الفعل الاجتماعي تجاه بعض القضايا والمشاكل والأخطار التي تهدد المجتمع، وفعالية التفكير الجمعي وجودة برمجته تقلّل من حجم (الجهد الثقافي)؛ إذ لا يحتاج المجتمع أن يبذل جهوداً ثقافية كبيرة تجاه كل قضية أو مشكلة أو خطر يطرأ من أجل صناعة رأي عام أو برمجة الفعل الاجتماعي، حيث يتشكّل ذلك الرأي أو الفعل تلقائياً بموجب التفكير الجمعي لا الجهد الثقافي، وهذا يجعل المجتمع يصرف جهده الثقافي في ممارسة نقدية واعية لمدى صوابية ذلك الرأي العام التلقائي ودرجة عقلانية تلك البرمجة الاجتماعية المبدئية، ويجتهد المفكرون في محاولات جادة للكشف عن الثغرات والثقوب وتحديد أي من الافتراضات التي يجب استصحابها وأيها يجب إزالتها!.
ويعد التفكير الجمعي بهذا الوصف ظاهرة حتمية الوقوع، لا ينفك عنها أي مجتمع إنساني، بل لا يعد المجتمع كذلك إلا إذا كان يتوافر على نوع من التفكير الجمعي الذي يميز ذلك المجتمع عن غيره.
خطورة التفكير الجمعي!
ثمة خطورة بالغة فيما يتعلق بالتفكير الجمعي تنبثق من سطوته على عقول الناس وقدرته على (عجنها) وتشكيلها بشكل آلي، ليس ذلك فحسب، بل وقدرته على صناعة عقوبات نفسية أو فكرية أو قانونية رادعة لكل من يُفكر في وجوب الانفلات من قبضة التفكير الجمعي في قضايا أو مجالات يرى أن التفكير الجمعي لا يلائمها؛ نظراً لأنه مؤسسُ على مجموعة من الخرافات والأساطير أو لأنه مبنيٌّ على بعض الافتراضات التي لم تعد صحيحة أو سائغة تجاه تلك القضايا، وينتج عن هيمنة التفكير الجمعي (سحق) النظّارات الخاصة التي يجب أن يرتديها كل فرد في المجتمع والتي تعكس بعض الفروقات الإنسانية في دائرة (التنميط) الثقافي الحضاري العام تجاه تلك القضايا والمشاكل.
وتسوء الأوضاع في حالة مأسسة التفكير الجمعي وحصوله على دعم وتأييد وحماية من قبل بعض المؤسسات المؤثرة وذات السطوة في المجتمع سواء كانت ذات طابع ثقافي أو سياسي، وهنا تكمن خطورة كبيرة، حيث تلعب بعض المؤسسات التقليدية - والتي تفتقر إلى التأهيل أو الشرعية أو كليهما - دور الرقيب والقاضي، فتُنزل العقاب الجزائي - بمختلف أنواعه - على كل من َيخرج أو يحاول الخروج عن (جادة) التفكير الجمعي ويتنكب (للإجماع) الذي تدعيه تلك المؤسسات وتباركه!، خاصة أن التفكير الجمعي لدى المجتمعات شديدة التماسك في نسيجها الاجتماعي يتجه إلى التلبس بنوع من (العصمة)؛ نظراً الى حصول الإجماع أو شبه الإجماع في رؤاهم وقراراتهم وتصرفاتهم، كما يقودهم ذلك إلى إشكالية ضخمة أخرى وهي أنهم يتورطون وبشكل مباشر بلون من (التزكية الأخلاقية)، تزكية شبه مطلقة لما يصدر عن تفكيرهم الجمعي، مستفيدين من خطبائهم وبلغائهم الذين يجهدون لبناء (طوق) حماية من الاختراقات التي قد تمزق إهاب التفكير الجمعي!.
هذه حقائق أحسب أنه لا يمكن ردها أو التشكيك في تواجدها في المشهد الاجتماعي.. ويصح هذا عندنا وعند غيرنا، ولكن بمقادير وقوالب وأشكال مختلفة!.
الدعوة إلى الفردانية لإزهاق التفكير الجمعي!
ُيُلح بعضُ المفكرين العرب على خطورة التفكير الجمعي وضرورة بث الوعي بخطورته وآفاته لدى مختلف الشرائح، وينادي بعضهم بغرس النزعة الفردية (أو الفردانية) في التفكير باعتبارها سمة للمجتمع المتحضر أو الآخذ بالتحضر، وهذا شيء جيد أو يمكن أن يكون جيداً بمعنى أكثر دقة، إلا أنه ومع ذلك يتوجب علينا أن نلفت الأنظار في هذا السياق إلى جملة من الإشكاليات الخطيرة التي يتسم بها ذلك الطرح.
فالإشكالية الأولى تتمثل في أن بعض المفكرين العرب مهووس بفكرة (الفردانية) Individualism كما هي في الفكر الغربي، ويطالب مجتمعاتنا العربية باعتناقها، متأثرين ببعض الأطروحات الغربية كأطروحة الباحث الهولندي المعاصر (جيرت هوفستد
Geert Hofstede)، الذي يصنّف ? وفق
الثنائية الغربية السطحية - المجتمعات الإنسانية إلى: مجتمعات فردانية ومجتمعات جمعية، إضافة إلى تصنيفات ثنائية أخرى مثل: درجة اختلاف القوة بين شرائح المجتمع، والذكورة والأنوثة، والتعامل مع الغموض.
وينقل للأسف بعض المفكرين العرب - ميكانيكياً - أطروحة الفردانية/ الجمعية ويدعون للفردانية بحماس أهوج، دون أي نقد للأساس الفلسفي والمنهجي لتلك الأطروحة، ومن غير أن يكلفوا أنفسهم بمناقشة مدى صحة التصنيف الثنائي للمجتمعات الإنسانية، والأخطر والأشنع أن ذلك التصنيف يتم من قبل باحثين لا ينتمون للإطار الثقافي الحضاري للمجتمعات التي يتم تصنيفها أو (طبخها) في (قدر) البحث العلمي!، وكأن الباحثين الغربيين يمتلكون (الحق) و(القدرة) على تفصيل أثوابنا بمقاساتهم هم!، والكارثة أن (هوفستد) ذاته له كتاب بعنوان: (الفروق الثقافية بين الأمم في دائرة الأعمال.. نجاح الإدارة العربية رهن بالثقافة الوطنية لا بالنظرية الوافدة).
وكم نتمنى لو يقيس المفكرون العرب مستويات (الأنفة الثقافية) لديهم وهم يسوّقون تلك الأطروحات والأفكار التي (تسلبك) الحق في إعطاء مقاسات وتقاطيع جسدك للحائك.. فهم كمن يلزمك بأن ترتدي ملابس غيرك وبمقاساته أيضاً، فهم لا يعنيهم أن تكون تلك الملابس أكبر أو أصغر من اللازم.. المهم أن ترتديها... حالة مأساوية وهوان ثقافي مُريع!!.
كما أن المفكرين العرب يتجنّبون أو يتجاهلون مدارسة التطبيق الحياتي لتلك الفكرة وبيان آثارها كما هي في حياة الغربيين بشكل نقدي. وينبني على نهج أولئك المفكرين مجموعةٌ من الإشكاليات التفصيلية، التي من بينها تهميش كامل أو شبه كامل لخصوصيتنا الثقافية الحضارية ونسيجنا الاجتماعي وأمزجتنا الخاصة، وهذا إخلال كبير بمرحلة (التشخيص) في عملية الهندسة الاجتماعية؛ الأمر الذي قد يفضي إلى التخبط في (هندسة البناء) الاجتماعي بما في ذلك ارتكاب الأخطاء في: اختيار نوعية (الطوب والأسمنت)، أو الأدوات الملائمة للبناء، أو طريقة البناء الصحيحة، وحالهم في هذا كمَن يبني بيتاً في صحراء جرداء ويُميلُ شرفات بيته في الطابق العلوي مع أنه يخسر مساحات نظراً لميل الجدران، لِمَ يفعل هذا؟ لمحاكاة البيت الآخر في الضفة الأخرى التي لا يكاد ينقطع عنها مطر السماء.. تماماً كما نجد التصاميم العمرانية في مدننا وقرانا التي ينعتونها ب (الحديثة) ويتفاخرون بها.. ونكاد للأسف لا نسمع أي استهجان أو استنكار من قبل الفعاليات الثقافية أو الهندسية!.
أما الإشكالية الثانية المترتبة على تبني المفكرين العرب أطروحة الفردانية وفق الفكر الغربي، فهي أنهم يبدون كما لو كانوا يجهلون حتمية التفكير الجمعي كظاهرة اجتماعية، حتمية الوجود والتأثير؛ الأمر الذي لا يشجعهم على بذل أي جهد ثقافي يذكر للإفادة من التفكير الجمعي من خلال تعظيم ثمراته وإيجابياته وتقليل مخاطره وآثاره السيئة.
وهذا ُيبرز أهمية تصدينا في هذا العمل الفكري لمبحث الذكاء الجمعي في سياق هندسة مجتمعاتنا العربية، حيث ننطلق من مسلّمات الظاهرة الاجتماعية ولا نقفز على إشكالياتها، بل نعترف بها ونحاول أن نتصدى لها من خلال إطارنا الثقافي ونظراتنا الفلسفية ومنهاجنا العلمي ونسيجنا الاجتماعي.
وبعد أن خلصنا إلى استحالة الانعتاق التام من التفكير الجمعي والإشارة إلى بعض سماته، تثور أسئلة مهمة مفادها: ما أبرز الفوائد الفعلية التي يمكن لنا قطفها في مجال الهندسة الاجتماعية إن نحن اعترفنا بظاهرة التفكير الجمعي من حيث الوجود والتأثير؟ وبعبارة أخرى يمكننا القول: لماذا نعمل على زيادة ذكاء مجتمعاتنا العربية؟ وهل ثمة تطبيقات عملية تعضد ما نذهب إليه؟ نتصدى لتلك الأسئلة في مقال قادم بعون الله وتوفيقه.

* كاتب وأكاديمي سعودي
beraidi2@yahoo. com)

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved