Wednesday 15th March,200612221العددالاربعاء 15 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

أنت أنت
المشاركة السياسية السعودية مراكز الأبحاث وصناعة القرار (2 - 2)
م. عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

المنافس المنهجي أكثر قدرة على منافسة العشوائي.. هذه حقيقة لا تحتاج إلى إيضاح.. واليوم ونتيجة للانفتاح العالمي في جميع المجالات فإننا نتعرض لأشد أنواع المنافسة دولاً وأفراداً وجماعات من منافس منهجي يمتلك أدوات المنهجية وتمرس في تطبيقها.. في حين أننا أقرب للعشوائية ولا نمتلك أدوات المنهجية.. بل إننا جهلاً نزدريها ونعتبرها مضيعة للمال والجهد والوقت.
ولكي لا أكون متجنياً أقول إنه على الرغم من عدم اهتمامنا بالمنهجية فيما هو غير ملموس فإن لدينا منهجية ضعيفة في ما هو ملموس كالمشاريع المادية.. وأقول منهجية ضعيفة لأننا إذا أردنا بناء منزلاً أو مجمعاً تجارياً أو مصنعاً فإننا نلجأ إلى الجهات التقليدية ذات الخبرة المتواضعة التي تكاد تكون ناسخة لإنجازات غيرها، ليس ذلك وحسب بل إننا نحاول أن نضغط عليها في الوقت والسعر لاعتقادنا بأن مرحلة الدراسات والتخطيط هي من النافل من الأعمال ولا تستحق أن يصرف عليها الكثير من الجهد والمال.
وهذا بطبيعة الحال انعكس على جودة ما هو متوفر لدينا من أدوات المنهجية لما هو ملموس كمكاتب الاستشارات الهندسية ومكاتب الدراسات الاقتصادية والإدارية والقانونية.. حيث تخلو من الإمكانيات المادية والمالية والبشرية المتميزة إلا ما ندر.. وانعكس أيضاً بالندرة أو الانعدام في أدوات المنهجية لما هو غير ملموس نتيجة عدم الإقبال على بضاعتها، كما هو الحال في مكاتب الدراسات الإستراتيجية ومراكز الأبحاث ومكاتب الدراسات المسحية والاستقصائية ومكاتب الاستشارات الإعلامية وغيرها.
في أمريكا التي تقود العالم أكثر من خمسة آلاف مكتب دراسات إستراتيجية وحوالي أربعة آلاف مركز أبحاث محترف.. وآلاف المكاتب الاستشارية الإعلامية والإدارية والاقتصادية والسياسية مقابل الندرة أو العدم لدينا ونحن نستكمل الانفتاح على العالم بدخولنا لمنظمة التجارة العالمية.. وهذا بطبيعة الحال جعل المنهجي منا الذي يعرف أهمية المنهجية في تعزيز القدرات التنافسية يلجأ لأدوات المنهجية من خارج البلاد إذا رغب في الحصول على خدمة عالية الجودة وفق المعايير العالمية.. وإلا عليه أن يلجأ إلى مؤسسات محلية فقيرة في التجهيزات المادية والإمكانيات البشرية أو إلى الجهود الفردية التي لا تغني ولا تسمن من جوع أمام الآخر المحترف.
وبحسب الكثيرين من المطلعين على الشأن السعودي، فإن مراكز الأبحاث هي من أهم الأدوات المنهجية التي نفتقدها في المملكة.. في هذه الحقبة الزمنية التي أصبح الوقت فيها عنصراً حاسماً في التصدي للقضايا ومعالجة المشاكل والابتكار والتطوير والتنمية.. إذ تعتبر مراكز الأبحاث إحدى ضرورات التنافس لتمكينها صانع ومتخذ القرار (أياً مَنْ كان) من الاطلاع على صورة متكاملة عميقة مترابطة الأجزاء لما يريد أن يتخذ قراراً بشأنه بعيداً عن الانطباعات الشخصية السطحية العاطفية المبتسرة.
لذلك نحن بحاجة لمراكز أبحاث ودراسات كثيرة ومتنوعة تدعم صانعي القرار في قضايانا الرئيسية.. كالقضايا الاقتصادية المتعلقة بالنفط ومشتقاته.. والغاز والصناعات البتروكيماوية.. والطاقة وتحلية المياه.. وقطاع الخدمات الاجتماعية كالإسكان والتعليم والصحة والترفيه.. والقضايا السياسية الرئيسية كالتعامل مع القوى العالمية والإقليمية.. وقضايانا الاجتماعية التي تدفع نحو المجتمع الحضري وتغيير منظومة القيم والمفاهيم الاجتماعية بما يتناسب ومتطلبات التنمية والمعطيات العصرية.
لكن من يؤسس المراكز البحثية ومن يرعاها ومن يطورها ويضمن استمراريتها في تقديم خدمات عالية الجودة في وقت مناسب؟.. لكي نعرف ذلك دعونا نطلع على التجربة الغربية المتقدمة في هذا المجال.. حيث أحجم قطاع الأعمال هنا في بادئ الأمر عن تأسيس مثل هذه المراكز لعدم جدواها اقتصادياً رغم أهمية هذه المراكز لرفع القدرات التنافسية في عالم تشتد فيه المنافسة عاماً بعد عام.. وكان لابد من وجود حل لذلك لأهميته.. وما لبثوا أن وجدوه.. حيث اتفقوا على تمويلها لمرة واحدة بما يسمى (SEED MONEY) ووضعوا لها هيكلة مالية توفر موارد مالية مستمرة لتكون هذه المراكز مؤسسات غير ربحية تقدم الخدمات البحثية للقطاعين الحكومي والخاص بكل كفاءة واقتدار وبجودة عالية تمكنهم من تحقيق القدرات التنافسية.
واتفقوا على أن المراكز البحثية يمكنها أن تحقق إيرادات مالية من خلال بيع خدماتها للقطاعين العام والخاص كمصدر مالي رئيسي.. إضافة للإيرادات التي تحصل عليها كناتج لاستثماراتها المالية والهبات والمنح التشجيعية كمصدر ثانوي.. وبذلك استطاعت هذه المراكز البحثية من استقطاب الكفاءات البشرية المتميزة عالية التكلفة للاستفادة من إمكانياتهم وخبراتهم للمساهمة في دفع عجلة التطور والنهضة.
إذاً، على قطاع الأعمال في المملكة وخاصة الشركات العملاقة كسابك وأرامكو وشركة الاتصالات والشركة التعاونية للتأمين ودار الأركان العقارية وغيرها مما لا مجال لحصره، أن يبادروا باستقطاب الكفاءات الوطنية المتميزة لتأسيس مراكز بحثية في الجوانب التي تعينهم على تعزيز قدراتهم التنافسية ودعمها حتى تقف على قدميها وتمكنها من أداء مهمتها والقيام برسالتها.. وعلى الحكومة أن تشجع ذلك بالامتيازات المالية والمادية والمعنوية من تمويل مالي ومنح عقارية ورعاية معنوية.
وعلى المفكرين السعوديين الذين سيتم استقطابهم لإدارة هذه المراكز البحثية والعمل فيها مسؤولية تفعيلها وتطويرها بروح علمية متجردة بعيدة عن الأهواء الشخصية والارتباطات الاجتماعية.. لتكون مراكز إشعاع حضاري تدعم صُنَّاع القرار ببلورة الخيارات وتوضيح السياسات.. وتفصيل القضايا بشكل علمي ودقيق.. وتطور الحياة المعرفية في الوسط العام من خلال أنشطتها البحثية الثقافية والعلمية ومنابرها الإعلامية المختلفة حتى تثري الساحة بالمعلومة الجديدة الموثوقة.. والتحليل العلمي الرصين.. وإيضاح غوامض القضايا والأمور.. واستشراف آفاق المستقبل.. بما يجعلنا أكثر قدرة على المنافسة دولاً وأفراداً.
ولدينا في المملكة تجربة تضاهي النموذج الغربي الناجح، حيث أنشأت جمعية رعاية الأطفال المعوقين (مركز الأمير سلمان بن عبدالعزيز لأبحاث الإعاقة) برعاية كريمة من أمير منطقة الرياض ومساهمات مالية كبيرة من القطاع الخاص.. ليكون القاعدة العلمية المتخصصة في مجال الإعاقة للحد من آثارها وتجنب كافة مسبباتها، بدءاً من جهود الوقاية في مواجهة أسباب الإعاقة ومروراً بتطوير وسائل التأهيل والعلاج والتعليم وتوسيع دائرتها.. وصولاً إلى حقوق كاملة للمعوق، واندماج كامل له في المجتمع.
وختاماً أقول إن قيادة حكيمة جعلت الإنسان السعودي غايتها.. واندماج مجتمع أعمال متوثب ومتفتح ومعطاء.. ورجال فكر يحتاجون لمناخ محفز لإنتاج ثمين، هي خلطة متكاملة لإقامة مراكز أبحاث في كافة المجالات.. وكل ذلك متوفر ولله الحمد في مملكتنا الغالية.. وما علينا إلا العمل في هذا الاتجاه لكي نركز ونكثف الجهود البحثية والفكرية بما يدعم مسيرتنا النهضوية.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved