Wednesday 15th March,200612221العددالاربعاء 15 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"عزيزتـي الجزيرة"

الوأدُ عند العرب حقيقةٌ ينفيها الواهمون الوأدُ عند العرب حقيقةٌ ينفيها الواهمون

كنتُ أسمع عن البحث الذي أخرجه الدكتور مرزوق بن تنباك والمعنون ب(الوأد بين الحقيقة والوهم)، ثم لم ألبث أن اطلعت على بعض ما كتبه الدكتور حسن بن فهد الهويمل في (الجزيرة) الغراء رداً على ذلك البحث، ولكن طول ما كتبه الدكتور الهويمل مع ضيق الوقت وكثرة الشواغل حالا بيني وبين القراءة المتأنية لرده الذي بذل فيه ما بذل من جهد ورجوع إلى المصادر والبراهين التي دحض وأبطل بها ما أراد الدكتور مرزوق أن يروِّجه من نفي لما جاء صريحاً وواضحاً من غير لبس في كتاب الله الكريم ثم قرأت على ثلاث حلقات تعقيب الدكتور مرزوق على الدكتور الهويمل المنشور على ثلاث حلقات في صحيفة الجزيرة.
ولقد ظللتُ أتوق إلى أن ألتقي بالدكتور مرزوق وجهاً لوجه لأسمع منه مقولته وما استند إليه فيها، فقد علَّمتني الأيام أن لا آخذَ قول مدّعٍ على آخر وأُصدر حكماً بموجبه، ما لم أسمع من غريمه.. وفيما أنا أتوق إلى مناسبة تسنح ألقى فيها أبا راشد الدكتور مرزوق للوقف على مقولته عن الوأد عن كثب.. إذا برسالة تردني عبر الهاتف الجوال من ندوة الوفاء والفضل لصاحبها الرجل الوقور الأستاذ أحمد محمد باجنيد، تُنبئي بأن المتحدث في ندوة الخميس المقبل هو الدكتور مرزوق بن تنباك عن (الوأد بين الحقيقة والوهم).. فقلتُ: لله درّ الصّدف وتصاريفها حين تأتي للمعنّى بما يتمنّى.. فما كان مني إلاّ أن أجريتُ تعديلاً شاملاً على برنامجي لقضاء إجازة نهاية الأسبوع، بحيث أتمكّن من حضور خميسية باجنيد وأسمع من أبي راشد مقولته مباشرة وبغير واسطة.. وأتبعت ذلك العزم بأن فرّغتُ نفسي داخل مكتبتي التي تحفل بالكثير ولله الحمد من الأمهات والمراجع، لأقرأ المزيد عن (الوأد) وتجاوزت المكتبة وما فيها إلى محركات البحث في شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) فوجدتُ من ذلك العجب العجاب الذي لا حاجة إليه لأثبت به شيئاً أثبته الله في محكم تنزيله، وإنما كانت غايتي الأولى من كل ذلك، الوقوف على ما يمكن لمنكر (الوأد) أن يسند به حجته، مع ما هو مفروغ منه لدينا: أن لا قول مع قول الله، ولا حجة بعد قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.
أزف موعد محاضرة الدكتور مرزوق في دارة الشيخ باجنيد مساء الخميس: 9-2-1427هـ فتأبطتُ حقيبة محشوّة بما قيل في الوأد تفسيراً لما ورد في كتاب الله الكريم عنه، وفيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما طفحت به كتب التاريخ والأدب، حتى إنه قد وقع بروعي أنّ المحاضر - د. مرزوق - لو عرض له عارض حال دونه وإلقاء محاضرته - لا قدَّر الله - لكان ما أحضرته من النصوص عن الوأد جديراً بأن يكون محاضرة عن الموضوع، ولكن من أجل إثباته كما أثبته الله في كتابه، وليس تمحكاً للبحث عن المستمسكات الواهية لنفيه أنفةً بأن يلحق ذلك العارُ العروبةَ والعربَ، الذين لم يُعرف لهم مجدٌ ولا عزٌّ إلاّ بالإسلام.
بدأت المحاضرةُ وبدأ المحاضر في الإتيان بالأدلة والبراهين التي تؤكِّد على أن الوأد ليس وهماً، ولكنه لم يفعل بكل الأسى والأسف إلاّ من أجل نقض وهدم تلك البراهين، بالعلل التي ألبسها كلَّ واحدة منها، ليقرّر في النهاية: أنّ الوأد كان موجوداً في الجاهلية ولكنه ليس مختصاً بالإناث دون الذكور، فهو للأولاد غير الشرعيين، رابطاً الحاضر بالماضي، حيث نسمع على الدوام عن مواليد غير شرعيين يتم العثور عليهم أمواتاً أو أحياء.
وحتى إن الآية الكريمة التي تصف الحالة النفسية والجسدية السيئة للذي يُبشّرُ في الجاهلية بأن زوجته قد أنجبت له أنثى، فينتج عن ذلك تمعّر وجهه وتغيّر لون بشرته إلى الأسوأ، وما يحصل له من التضارب في الرأي: أيُبقي على هذا المولود الجديد على هون أم يتخذ قراراً بدسه في التراب والتخلّص منه إلى الأبد.؟!.. فإنّ ذلك كله ليس عند الدكتور مرزوق بن تباك دليلاً على وأد البنات ودفنهن في التراب، بل هو عنده كناية عن إخفاء المولودة وعدم إظهارها، كما يفعل الكثيرون في أيامنا من عدم ذكر أسماء زوجاتهم وبناتهم ومحارمهم أمام الناس..!
والآية الصريحة الأخرى عن الوأد وهي قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} لها عند الدكتور تفسيرٌ يصرفها عن أن يكون المراد ب(الْمَوْؤُودَةُ) هو الأنثى.. إذ المراد بها عنده (النفس)..!
وأما الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في الوأد مثل حديث: (إن الله كره لكم ثلاثاً، أخذ وهات ووأد البنات) الحديث وكل الأحاديث الأخرى التي في معناها، فكل حديث من تلك الأحاديث عند الدكتور مرزوق ما يرده به ويُبطل به الاحتجاج على أن العرب كانوا يئدون بناتهم في الجاهلية..!
وفي نهاية المحاضرة توالت التعليقات التي كانت من الحضور أجمعين الذين كان بينهم عدد من العلماء وطلبة العلم، وكلهم قد وقف في وجه المحاضر في رده لنصوص الكتاب والسنة الورادة في وأد البنات، اللهم إلاّ مدير الندوة ومقدّمها الذي شذّ بتبنيه لآراء المحاضر ومؤازرته له على كل ما قال، وهو أمرٌ تخفى عني دوافعه، التي أرجو أن لا تكون من قبيل: (كذاب ربيعة أحبّ إليّ من صادق مضر)...!
ولما جاء دوري في التعقيب أضربتُ صفحاً عن كل النصوص التي جهدتُ في استحضارها، فالمحاضر الفاضل بدا واضحاً كل الوضوح أنّ ما أراد أن يصل إليه من نفي للوأد المثبت في الكتاب والسنة، أمر لم يخضه جهلاً بالنصوص، وإنما بتخطيط محكم، وذلك أشدّ وأنكى.. فالذين أشاروا عليه بأن يرجع إلى أهل الاختصاص في الحديث واللغة والتفسير، ردّ عليهم بأنه هو ابن اللغة العربية وأنه من أعلم الناس بالقرآن والسنة ولغة العرب.. الأمر الذي لم أجد معه نفعاً لإيراد أي نص أستدل به على خلاف ما قرَّره المحاضر الفاضل، ولم أجد ما أقوله إلاّ الثناء على جهوده المشكورة في الذب عن الفصحى.
وقلتُ: إن مما لا شك فيه أن الدكتور مرزوق بن تنباك، قد فاته الكثير من الأضواء التي كانت تُعشي أبصار أولئك الذين كانوا من حيث يدرون أو لا يدرون معاول هدم، يهدم الآخرون بها دينهم ولغتهم بأيديهم هم.. وتساءلتُ عن الثمن والمقابل الذي ينتظره الدكتور مرزوق بن تنباك من وراء نفيه لما أثبته الله في محكم تنزيله، ولم يقل أحدٌ من أهل الإسلام ممن يُعتدّ به بنفيه قبله. وتوقعتُ فيما علقتُ به أن لا تكون هذه الطامة التي صافح بها أبو راشد أسماعنا هي الأخيرة، إذ يبدو أننا سنكون على مواعيد مع طوامّ أخرى له قادمة.. ووراء ذلك ما وراءه مما نسأل الله أن يحمي منه الدكتور مرزوق بن تنباك، الذي يعلم قدر إجلالي واحترامي لشخصه، ولكن الله وكتابه ودينه أحبّ إليّ منه.
ومن ذلك المنطلق فإني أجمل ما فصّلت في النقاط المختصرة التالية:
1- إنّ مجيء شخص في هذا الوقت من بني جلدتنا، يدين بديننا، ويتحدث لغتنا، ويسعى لنفي وإبطال ما هو مثبتٌ ومدوّنٌ في كتاب الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أمرٌ لا ينبغي له أن يمرّ علينا دون استقصاء له ومعرفة لدواعيه وأسبابه.
2- إن محاضرة الدكتور مرزوق بن تنباك في خميسية الشيخ باجنيد وما دار فيها، أمر مسجّل ومثلما أنه لا مجال لأن يفتري عليه أحدٌ قولاً لم يقله فيها، فإنه لا مجال أمامه لأن ينكر ما قاله وقرره في تلك الندوة.
3- من الطامات التي ألحق بها الدكتور مرزوق بن تنباك طامة نفيه وأد العرب في الجاهلية لبناتهم، نفيه في ندوة باجنيد أن يكون القرآن الكريم (قطعي الدلالة) مثلما هو قطعي الثبوت!
4- لقد أهداني الدكتور مرزوق نسخة من كتابه المعنون ب(الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة) والمحاضرة التي ألقاها في خميسية الشيخ باجنيد هي تلخيص لذلك الكتاب، الخالي من أية بيانات تدل على شرعية طباعته وتوزيعه وتداوله.. إذ ليس على غلافه عدا اسم المؤلف سوى (مؤسسة الرسالة) التي لا ذكر لعنوان لها .. فهل أصبح الأمر بمثل هذه السهولة التي يُتداول بها بيننا كتابٌ ينفي ما أثبته قرآننا؟!
5- إن هذا الكتاب الذي نفى فيه المؤلِّف الوأد بما فهمه به المسلمون خلفاً عن سلف، هو ليس كغيره من الكتب، فهو إما أن يكون ما ورد فيه حق أو باطل، وعلى ذلك يتوقف أمر تداوله من عدمه.. وليس من سبيل مقنع لذلك فيما أرى أمثل: من تشكيل هيئة من العلماء المختارين لمناظرة مشهودة بينهم وبين المؤلِّف، فإما أن يقتنعوا بأطروحاته وأدلته وبراهينه التي نفى بها أن يكون العرب في الجاهلية يئدون بناتهم، أو أن يستسلم لما سيأتونه به من الأدلة والبراهين على نفي وبطلان ما ذهب إليه.

عبد الرحمن بن محمد الأنصاري

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved