* كتب - علي المفضي:
قد لا يصدقني أحد إذا قلت إن أحد أثرياء هذا العصر دعي مرة إلى مأدبة خارج المدينة التي يقيم فيها ومن حسن حظه فوجئ بانفجار أحد إطارات سيارته قبل أن يصل إلى المكان المقصود، وعندما وقف ليستبدله لم يجد الإطار الاحتياطي حيث باعه في ساعة عسر مريرة واستمر بالسير على إطاره المنفجر إلى أن وصل إلى محل استبدال الإطارات لشراء إطار مستعمل بخمسين ريالا هي كل ما معه.. وعاد من حيث أتى فالوقت متأخر لينام بلا عشاء فقد أطعم سيارته إطارا ونام جائعا.
أحد أثرياء عصر قديم قال:
برزت من المنازل والقباب
فلم يعسر على أحد حجابي
لأني لم اجد مصراع باب
يكون من السحاب إلى التراب
وثري معاصر ولامع، كنت باتصال هاتفي معه وطلب مني من باب رفع الكلفة أن أطلبه أنا حيث لا يتجاوز رصيد (جواله) ثلاثة ريالات مع أنه عرض عليه قبلها بأيام مبلغ جيد لتنفيذ عمل ما ورفض لئلا يظهر حاجته للناس.
وهنا يضع الشاعر محمد الأحمد السديري يده على بعض جراح أثريائنا البائسين حين يؤكد برؤية العارف والحكيم المدرك قائلا:
لولا الهرم والفقر والثالث الموت
يا الآدمي بالكون يا عظم شانك
لولا الثلاث وشان من قدر الفوت
نفذت كل اللي يقوله لسانك
ويروى أن ثريا أخرج من بيته بسبب عجزه عن دفع الأجرة، فاضطر إلى العيش مع أخيه الذي يصغره بعدة أعوام إلى أن قيض له من يستأجر له ولأطفاله منزلا يؤويه من سموم الحاجة وزمهرير العوز، وكأن الشاعر محمد العجيمي تكلم نيابة عن ثرينا حين قال:
يا حيل الله ما لي حيلة
لا حيلٍ ولا حلالا
محل الفقر.. ومحلي
لم اجد عنه ارتحالا
الى قلت اظهر عن بيتي
يا سرعه في قولة (لا لا)
ليته ينقل نصف الكروة
انا ريال.. وهو ريالا
أما أحدهم فقد رأيته يركب سيارة قديمة وصغيرة بدلا من الجديدة الفارهة التي كنت أراها معه، وربما فعل ذلك لسداد دين أو قضاء حاجة ملحة بثمنهان وعندما سألته عن سبب تغييرها أكد لي أن الزحام هو السبب وأن هذه أيسر في البحث عن موقف لها وأنها اقتصادية وأن (مشاويره) محدودة تستطيع الأخيرة تلبيتها وأنه استغل قيمة الأولى بشراء أرض يدعي أنها سوف تعود عليه بربح وافر، أما أنا فلم أشأ إحراجه وأظهرت له تأييدي مع أنني أردد بيني وبين نفسي قول محمد أبو نيان الذي ينطبق عليه تماما حيث يقول:
يا الله ياللي سايله مايمله
يا محيي العشب الخضر بالرشاشي
تفرج لمن كنه على جال ملة
متحير قلت عليه المواشي
مر هشيم ومر نوقد بجلة
ومر نبهرها.. ومر بلاشي
ونوب بيسر ونجمع الكيف كله
ونوب على الشامية أم الغشاشي
معبرين كل وقت بحله
نصبر على ما كان والرزق ماشي
ويذكر أن ثريا آخر يعرف عنه كثرة اعتذاراته عن حضور المناسبات والاجتماعات متعللا أن لديه موعدا مسبقا مع أناس آخرين، وقد قال لي أحد الذين يعرفونه: إنه يستحي أن يشارك الناس مناسباتهم ولا يدعوهم إلى منزله وهو لا يستطيع أن يؤمن ثمن ما يكرمهم به مع أنه رجل محب للناس طيب المعشر والشاعر (حاضر بن حضير) يريد كما يريد المذكور ولكنه لا يستطيع.
لكن ضعيف الحال تقصر شبوره
والفقر فخٍ للضعيف محبولي
ترى الفقير ادناة ذارب يعوره
مثلي قصير شبور لو نعمو لي
في التسعينات الهجرية كان الناس والشباب خاصة ينامون خارج المدينة وكان أحد أثرياء ذلك الزمن يفعل كما يفعل غيره لا طلبا للهدوء والبعد عن ضجيج المدينة كغيره بل لأنه لا يملك ما يؤويه فنهاره صيفا ينتهي ما بين الوظيفة والتسكع إلى المساء، أما في الشتاء فالنهار لا يختلف عن نهارات الصيف أما الليل ففي ركن مقهى متواضع.. وسعود القت المطيري يقول ربما نيابة عن صاحبنا:
الله يجيرك وصل عمري ثلاثيني
والدين مركم وحاديني على الملة
المال قلّه ينوخ للبعاريني
يقصرك عن واجباتك عوزه وقله
ممتلكات الأثرياء الذين نتحدث عنهم لا تعد ولا تحصى، حيث تضيق بنوك البياض بحساباتهم، إما بورصة الشفقة فهم المضاربون الوحيدون بها، إنهم أثرياء الوجدان والإحساس والعاطفة، أرصدتهم من الود متضخمة ويعاني بعضهم من الأنيميا بسبب سوء التغذية. مساحات بيادرهم شاسعة مترامية الأطراف وخضرة سنابلهم توحي بالارتواء. احتياطي مخزونهم من الدفء يغطي حاجة العالم من الطاقة، وكما أن الحب عندهم بلا حساب فالغد كذلك يجهلون أبجديات الرياضيات مع أن أرواحهم رياضية وأدمغتهم أدق من الآلات الحاسبة إنهم الشعراء.
وبرغم أن أحدهم يقول:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
إلا أنهم بعيدون عن ذلك اليقين العقلي فهم الوحيدون الذين ينتجون الحكمة وبمواصفات عالية ويقتاتون على الوهم، فخيالاتهم أوسع من استيعاب ما تتفتق عنه قرائحهم الذهبية. أو ليسوا فعلا أثرياء بلا أرصدة..؟؟
وقفة لسعود جمعان المطيري: