كنت منذ طفولتي الأولى وما زلت أعتبر نفسي إنسانة محظوظة والحمد لله. وقد وعيت في تلك السن المبكرة سر دعوة جدتي - رحمها الله - لي بقولها (الله يقوم حظك)، فصار عندي حرص لا يلين أن لا أترك حظي ينام أو يستلقي ساعة من نهار أو ليل. وكنت كلما أحسست أن حظي قد نعس أو حاول الاستسلام لسلطان النوم أرقيه بسحر الشعر أو أنقض عليه بأظافري وأسناني كأي ذئب مفترس، فأحرمه من لذائذ لحظة الاستسلام تلك. وقد أخذ بيدي الحظ كعادته مساء الخميس الماضي الموافق 9-2-1427هـ إلى مبنى سعود البابطين الثقافي بحي الصحافة لأشارك بدعوة مشكورة من الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بمنطقة الرياض في حضور حفل يحتفي بالمتفوقات في مراحل التعليم النظامي الثلاث الابتدائي والمتوسط والثانوي عن مدارس البنات بجهات مدينة الرياض الأربع. كان برنامج الاحتفال الحافل بالبساطة والصدق يتضمن العديد من الفقرات، وكان منها كلمة سهرت على كتابتها بعد يوم حافل بالعمل والإجهاد، فكنت أثناء الكتابة كلما أحسست من الحظ تثاؤبا أو نعاسا أرشه بأحماض الحبر أو أرشيه بفناجين الشاهي وأكواب القهوة ليقوم مرة أخرى وأواصل الكتابة.
إلا أنني بمجرد أن دخلت بهو الحفل وشاهدت أسراب الشابات الصغيرات من عمر ست سنوات إلى عمر الستة عشر بتلك الأثواب التراثية البيضاء الموشاة بألوان الورد الطايفي وبأطياف المطر الجنوبي يتحركن كحوريات صحراوية، وكأنها خرجت للتو تقطر ماء من غدران السراب غيرت رأيي في إلقاء الكلمة التي أعددت. فقد امتد أمامي مشهد الشابات الصغيرات كواحد من المشاهد النادرة المدهشة المفعمة بنوافير الأمل التي لا تليق بها تلك الكلمات التي تعد خصيصا لتلقى في المناسبات الرسمية. بعد تلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم لكتاب الله التي قدمتها إحدى الشابات الصغيرات بصوت شجي يفيض خشوعا (وكان يجدر بي أن أسجل اسمها لأذكره هنا فمنها المعذرة), قامت الإذاعية المعروفة السيدة فاطمة العنزي بتقديم فقرات الحفل الأخرى تقديما أدبيا رقيقا .
فكانت كلمة مسؤولة البرامج والأنشطة النسائية السيدة فريال كردي كلمة محملة بمشاعر الأمومة تجاه تفوق هؤلاء الشابات بقدر ما كانت كلمة محرضة على البذل والعطاء لهذه الجمعية. ثم جاء دوري. فهل فاجأت نفسي عندما رأيتني أمتنع عن الصعود إلى المنصة وأطلب المايكرفون لأقف في مواجهة الحاضرات وأتحدث إليهن من أرضية القاعة أو أنني لم أرد أن أبتعد أو أكون على مسافة من ذلك البريق المستقبلي الذي كان يندلع، وإن بصمت من عيون أولئك الشابات ومن عيون العدد الحاضر من أمهات الشابات أو المتكفلات بهن كأمهات. لقد ألقيت تلك الورقة عن الكلمة التي كتبت جانبا ورأيت روحي تفيض بحروف كلمات حرى جديدة لم تستعمل في حرفة الكتابة من قبل. فهل كان يجدي في ذلك الموقف إلا كلام القلب للقلب، حيث لم يكن تفوق هذا العدد الذي كان يربو على المائة من بنات بلدي تفوقا دراسياً وحسب بل كان تفوقا على لؤم اليتم وعلى قسوة الفاقة وعلى شراسة الظروف. فكان تفوقهن خروجا على سوء الحظ وإعادة التحالف معه بشروط العمل الجاد الذي يتطلبه تحوله إلى حسن حظ. لقد كان تفوق أولئك الشابات الصغيرات رحلة كفاح محفوفة بالصبر والبطولات تقدم عليها النساء باستبسال في عمر يافع وإن لم يعرف المجتمع أو يعترف حقل العلوم السياسية بهذا النوع من النضال اليومي والسلمي من فوارس صامتات. إننا عادة لا نتصارح كمجتمع كم هو صعب على طالب العلم أن يستذكر دروسه فكيف إذ يدرس دراسة تقود إلى التفوق في بيت صغير الحجم قليل النوافذ شحيح التهوية ضعيف الإضاءة ليلا شديد الحرارة صيفا شديد البرودة شتاء في حجرة قد تكون مكدسة بعدد من الإخوة والأخوات الذين هم أيضاً تلاميذ في مراحل متعددة ومنهم الصحيح أو المصاب بألم دائم أو وعكة زكام فإنها كافية لزيادة تأزيم الحال الرقيق.
كما أننا كمجتمع لا نتصارح بما يكفي عن الكفاف الذي يعيش فيه الأيتام، فرغم الجهود التي تبذلها مثل هذه الجمعية الأهلية فإن مواردها لا تزال محدودة جدا وهي بالتالي لا توفر إلا الحد الأدنى لحياة العفاف التي لا تسأل وإن بها خصاصة. لقد قابلت عددا من عضوات تلك الجمعية اللواتي يعملن تطوعا ومنهن السيدة ثريا عابد والسيدة نورة السلطان ود. فاطمة الخريجي ولمست منهن مدى الحاجة إلى توسيع موارد الجمعية لتوسيع خدمات الجمعية ولتطويرها نوعا وكما. فلا أظن وهذا رأيي أن دفع إيجار بيت متواضع بكل ما تعنيه الكلمة لأسر الأيتام مع مؤونة دورية من مركز تجاري محدد للمواد الغذائية الأساسية ليس إلا وبكميات لا تخلو
من التقشف تكفي. فما الذي يمنع أن تتحول إيجارات البيوت التي تدفع عن الأيتام إلى نظام ينتهي بالتمليك لو أن إحدى الشركات العقارية التي لها استثمارات عقارية عالية تبنت المساهمة في مثل هذا المشروع، فأضافت إلى ربحيتها المالية ربحية الأجر من الله وربحية وطنية تسهم بضريبة صغيرة لصالح الوطن ولصالح إيجاد ضمانة مستقبلية لهذه الأجيال الصغيرة التي حرمت من نعمة الأم أو الأب أو الاثنين معاً. وهذا مجرد مثال على ما يمكن أن يساهم فيه رأس المال الوطني لخدمة هذه الفئة العزيزة من بنات وأبناء الوطن.
إن معظم أسر الأيتام لا يصلها أي مصروف مالي من أي كان سوى المؤونة الغذائية والكسوة المنزلية وهذه أيضاً تحتاج إلى وقفة. ليس من عادتي الكتابة عن مشاركاتي المتواضعة في الأنشطة الاجتماعية أيا كانت ولكن ما لمسته ذلك المساء من مردود العمل التطوعي الأهلي بشقيه المادي والأدبي ومن قدرته على إعادة إنتاج الأمل حرك شجوني وأثار أسئلة وإن لم أقم بصياغتها أرجو أن نفكر فيها كمجتمع وكأفراد.
|