إن عجز مجتمعنا عن تقبل الآداب والفنون على كونها نشاطاً إنسانياً متميزاً وخالداً ويحمل أيضاً شرعيته وأهميته الإنسانية، هو بالتأكيد مؤشر يشير لنا إلى طبيعة العجز الفكري الذي اعتقل بداخله الكثير من العقول والأفئدة، بحيث مازلنا نعاني من الخلط البدائي الساذج بين العديد من السباقات، ونحاكم من منطلقات مؤدلجة ما هو أزلي داخل ما هو متحرك، وما هو واقعي بما هو متخيل، فنحن عندما نخلط الفني بالأدبي والتاريخي بالاجتماعي بشكل يختلف فيه محتوى الخطاب مع مقصده نكون ما برحنا في ذلك الحيز البدائي العاجز عن اكتناه مستويات الكلام ابتداء من كلام الشارع اليومي مروراً بلغة السرد ارتقاء ووصولاً إلى لغة الشعر السامية.
فالعمل الفني وأهم مهامه ومقاصده هو خلق دلالات حسية جديدة ومنهجية وإقامة علاقات أو إنشاء تركيبات أصيلة وغير مطروقة، أي باختصار اكتشاف وإبداع بشري لأراض جديدة، تلك الاكتشافات الرائدة التي يحتشد بها تاريخنا الأدبي والفني منذ عمق التاريخ.
فحينما كان يُحاصر الشعراء العباسيون بالأذواق التقليدية وبعض القصور المعرفي للعامة كانت تتفاوت ردود أفعالهم، فأبو تمام حينما أتاه رجل يسخر منه ومعه إناء يقول له أعطني شربة من ماء الملام، وهو يعرض هنا ببيت أبي تمام الذي يقول فيه:
لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي |
فردَّ أبو تمام بما عرف عنه من ذكاء وسرعة بديهة (ليس قبل أن تعطيني ريشة من جناح الذل) مشيراً إلى الآية الكريمة: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ }.
حيث إن العلاقات الدلالية المبدعة والمدهشة والمتفوقة على السائد موجودة كشكل مثالي ومكتمل في القرآن الكريم.
وإن كان أبو تمام حليماً في تقبل جميع الذين كانوا يحاكمون قصور وعيهم من خلال شعره، فإن البحتري كان أشد شراسة عندما قال في رده عليهم:
وعلي نظم القوافي من معادنها وليس ذنبي إن لم تفهم البقر |
والكارثة أنه اليوم بعد هذه القرون الطويلة نجد أننا (لن أقول عدنا) بل تدهورنا وتقهقرنا إلى نفس المرابط، والمرابع نفسها، حيث يختطف الأدب من خطابه الذي يمتلك علاقاته الخاصة به داخل النص ليحاكم من منطلق أيدلوجي يأخذ طابع المعرفة اليقينية الحتمية والمقدسة، ولا تحترم هذه الفنون لذاتها بل لقابليتها على التحول إلى بوق لتمرير جميع الأفكار والأيدلوجيات وبثها عبر النص.
وكأن التطور الفكري والفلسفي الذي حل بالآداب والفنون عبر العصور، لم يمر بنا أو يلامسنا وكأننا كما يذكر برهان غليون في كتابه (اغتيال العقل) (في الوقت الذي تزداد سيطرة الثقافة العصرية على نخبة اجتماعية محدودة سيتدهور وضع الثقافة التقليدية مع تدهور المواقع الشعبية وستتحول أكثر فأكثر إلى بؤرة تمرد وثورة ضد كل ما هو عصري).
فهل ما نُشاهده ونسمعه ونلمسه اليوم في المشهد المحلي هو أزمة نخب عجزت عن التغيير أو اختراق طبيعة العلاقات التقليدية القائمة؟ هل صياح التهديد والتخوين وصولاً لإهدار الدم ضد بعض الأدباء والمفكرين تخبرنا بأن الحداثة هي خرافة نخبوية منبته عن جذورها، ظلت طوال الوقت تبلبل ألسنتها في أبراجها العاجية، وانفصلت عن الثقافة السائدة وقيمها، وخلفت وراء ظهرها جمهوراً عريضاً رفض أن يستقبلها بحلتها الجديدة، لتصبح المواجهة مفزعة في ندوات معرض الكتاب؟
|