فتحت إسرائيل آفاقاً واسعة للتصعيد من خلال جريمتها أول أمس في أريحا، غير أن العدوان كشف من جانب آخر المدى البعيد للتواطؤ بين إسرائيل وحلفائها الاستراتيجيين على نطاق العالم، فسجن أريحا الذي اختطفت منه إسرائيل القيادي أحمد سعدات يوجد به مراقبون عسكريون من بريطانيا والولايات المتحدة بموجب اتفاقية عام 2002 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بإشراف أمريكي وأوروبي لضمان الاحتفاظ بسعدات داخل السجن، لكن عشية العدوان الأخير اختفى هؤلاء المراقبون ما يعني أن العدوان تم بضوء أخضر من بريطانيا والولايات المتحدة..
خطورة ذلك أن الدولتين هما الأنشط في المبادرة الأخيرة المسماة خريطة الطريق، وهي المبادرة الأكثر تفعيلاً في الوقت الراهن لإرساء السلام، غير أن التطورات الأخيرة أثبتت
مجدداً أن الخيارات الإسرائيلية العدوانية هي التي تستأثر باهتمام هؤلاء الحلفاء حتى ولو كانت هذه الخيارات لا تتوافق مع السعي نحو السلام..
وبينما كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستعد لمخاطبة البرلمان الأوروبي في استراسبورج عن رؤاه للسلام ومدى إمكانية دول الغرب المساهمة فيه، فقد اضطر للعودة إلى بلاده وهو يرى أن الذين يتطلع إلى مخاطبتهم هم الذين يطعنون السلام في الظهر، وأن الالتزامات الغربية بإقامة السلام تتواءم فقط مع الرؤى والتصورات الإسرائيلية وأنه لا شأن لحلفاء إسرائيل بالكيفية التي ينظر بها الفلسطينيون والعرب للسلام، وأن عدواناً بيناً وواضحاً وتحت مرأى العالم من قبل إسرائيل على الشعب الفلسطيني لا يهم طالما أن إسرائيل هي التي تقوم به وأنها فوق المحاسبة وفوق الانتقاد..
لقد أصيب أبو مازن بخيبة أمل كبيرة، وهذا هو حال الشعب الفلسطيني بأجمعه بما في ذلك أولئك الذين طالما طالبوا بوجود قوات دولية لضمان حماية الفلسطينيين من الحملات العدوانية الإسرائيلية، ومن ثم فإن حالة عدم اليقين التي تصل إلى درجة الشك المشروع في المسلك الغربي تجاه فلسطين ستعيد جهود السلام عشرات السنين إلى الوراء، بل إن التوقعات الآن مفتوحة نحو الأسوأ، فهناك رغبات متأججة في الجانب الفلسطيني للرد على هذا العدوان وعلى هذه الإساءة، فقد كان مؤلماً للغاية هذه الطريقة العنجهية التي تصرفت بها
العسكرية الإسرائيلية في اقتحامها لأريحا ولسجنها ولتعمدها إساءة المئات من العسكريين من خلال تجريدهم من ملابسهم أمام كاميرات التصوير في مشهد منقول حياً إلى جميع أنحاء العالم..
|