لا.. لم يكن من العجيب يا صاحبي أن يقدم السعوديون على فنون السينما والمسرح فهي فن من فنون التعبير والحكي والتأويل وهي ميدان من ميادين التوجيه والإرشاد من أجل التربية والإصلاح، وهي وسيلة إظهار الموهبة الصادقة المتطلعة المتوثبة في حدود العادات والتقاليد الإسلامية الصحيحة.
وإنما من العجيب حقاً يا صاحبي أن نتصلب ونتعصب ونجمد أمام تحديات العصر، وتكنولوجيا الإعلام الحديثة، والتحول للنت والفيديو والفضائيات، والجوال بالصوت والصورة، والسي.. دي.. وغيرها.
إن هذا الحديث رددت به على صاحبي الذي جاءني مندداً بما سمعه أنه قد سمعه.. تم إقامة عرض سينمائي في الدور الثاني في فندق إنتركونتننتال بمدينة الرياض، وجلست أمام شاشات العرض تشاهد الحدث في شغف واهتمام مئات من المنقبات السعوديات وبصحبتهن الأطفال وكلهن مشدوهات صامتات أمام وقائع العرض، منشغلات بالحدث، نعم إنه أول عرض لفيلم سينمائي يعرض في السعودية. واستمر العرض ثلاثة أيام لم يرتده إلا النساء والأطفال فقط، وكان يعرض في اليوم الواحد ثلاثة أفلام كرتون مدبلجة بالعربية.
وقد رافق هذا الحدث الجلل حدث آخر وهو عرض مسرحي يعتبر العرض المسرحي الأول للنساء فقط، أقيم بالمركز الثقافي بالرياض، وعنوان المسرحية (في النهاية هن عائدات).
والجدير بالذكر أن مخرج المسرحية، وكاتب السيناريو، والقائم بالتمثيل، ومعد المكياج.. وغيره من أعمال فنية قامت بها جميعها عناصر نسائية.
وجانب هذا العرض المسرحي، عرضت مسرحية غنائية قام بالأداء فيها مجموعة من الفتيات الصغيرات تم اختيارهن بدقة متناهية وهن من غير المتزوجات.
هذا فضلاً عن خبر آخر سمعه أن قناة روتانا العربية سوف تنتج أربعة أفلام لممثلة سعودية صاعدة.
مهلاً صاحبي لم الغرابة؟ ألسنا أصحاب حضارة وقيم فنية وثقافية واجتماعية وأدبية؟.. لقد استدمجت جميعها في مذهبيتنا. إذاً نحن لا نقدر على قتل المعرفة الفنية لدينا أو نعزلها عن الحياة، نحن لا نستطيع أن نقهر التخيل كما لا نستطيع أن نقهر العقل.
إن هذه الاستهلالة الفنية يتوجب تعزيزها وصقلها، إنها ثورة على التصلب والتشنج والتأزم ما دامت في إطار معياري أخلاقي وما دامت تستهدف لا الترويح فقط (روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت)، بل هي وسيلة تربوية إرشادية توجيهية، شيقة في تقبلها والتفاعل مع شخوصها، نعم.. إنها تستهدف الارتقاء بمستوى الوعي والنهوض به.
لا تقل يا صاحبي إن ما جاءت به تكنولوجيا العصر من إيجابيات نحتذيها فثمة سلبيات وصمت العصر بالأمراض الاجتماعية والعلل الخلقية؛ فحادثة فتاة النهضة لا تغرب عن بالنا وغيرها تنويعات على خط متصل واحد، إنه اللا سواء السلوكي والانحراف الأخلاقي.
وأقول نعم يا صاحبي، أفهمه وأعرفه بأنه مرض الحضارة، ولذا فنحن نريد وسائط تربوية تساهم في حل مشاكل العصر برؤى متعددة ومن خلال قنوات مختلفة؛ ولذا نتطلع إلى أن تقوم السينما والمسرح بالمشاركة في تشخيص وتجسيد مشكلاتنا وتقديم سبل العلاج في حدود الممكن والمتاح.
والمشاركة التي نريدها هي وضع إمكانات عرض مشكلات الواقع الاجتماعي، ومعاناة الإنسان المعاصر، ومتاعب الحياة، مع الإيمان بأن هذا الوسيط الفني سيعطي الفن السينمائي والمسرحي عمقاً فكرياً وأصالة، وسيعطينا هذا الفن بدوره مفهوماً وتحليلاً وتفسيراً لمظاهر الاضطراب في حياتنا.
وبحيث لا يطغى هذا النمط الفني على القيم الاجتماعية، وأيضاً يوضح النواحي الحسنة في الإنسان لإمكانية تمثيلها، ويؤكد لنا القواعد الأخلاقية والنزعات الحسنة والمثل العليا وقواعد التربية السليمة والوقوف على الحدود المشروعة، والتزام سنة الفضيلة والاستقامة خاصة وأننا لا نقبل تهاوناً في النأي عنها أو إغفالها.
أيضاً من وظيفة هذا الوسيط -السينما والمسرح- أن يقدم لنا مفاهيم ومعارف جديدة يمكن الاستفادة منها في تحسين نمط الحياة والعمل على تكييف المطالب والرغبات تكييفاً جديداً ومقبولاً يتوافق مع ما يعترضنا في هذه الحياة الدنيا من صعاب ومشاق وعقبات.
ومن وظيفتها كذلك الحرص على إظهار الدين وأخلاقياته وبأن له دورا في بلوغ حالة السلم والهدوء النفسي والراحة والطمأنينة والإصلاح الأخلاقي والاجتماعي.
ومن وظيفتها أيضاً إبراز الحقيقة الاجتماعية للجماعة الإنسانية للمجتمع الذي يعيش فيه بعيداً عن ضوابط كل من الزمان والمكان نظراً لأنها تتحرك وتتطور مع حركة المجتمع وتطوره. ومن خلال تطور المجتمع يستطيع الإنسان أن يصل إلى وضع وسائل تيسر له ممارسة النشاط بنصيب أكبر من الرضا وحل التناقض القائم بين العقل الواعي والعقل الباطن مع إيجاد فلسفة جامعة متكاملة في الحياة.
|