قبل أيام قرأت خبرا في صحافتنا يقول على لسان مدير عام الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية الدكتور عقيل بن جمعان الغامدي إن نسبة الإشغال بمجمع الأمل للصحة النفسية بالدمام تتجاوز نسبة الإشغال الكلي له معظم أوقات العام بطاقة سريرية تبلغ 300 سرير، إضافة إلى 80 سريراً بمنزل علاجي (منتصف الطريق لمرضى الإدمان). بالطبع وجود كلمة (الأمل) في مسمى هذا المستشفى أو غيره يعني أنه يقوم بعلاج مرضى الإدمان، وهو حالة تجمع بين الأعراض النفسية والعضوية لما يسببه الإدمان من معاناة رهيبة لضحاياه على هذين المستويين.. البدني والنفسي، ولكن ألا يثير هذا الخبر تساؤلات من المجتمع؟.. وما تفسير هذه النسبة العالية من الإشغال لأسرة المجمع؟.
أعتقد وبكل أسف أن معظم من قرأ هذا الخبر مر عليه مرور الكرام وبحالة من اللامبالاة لمضمونه دون تلمس أي دلالات، وأعتقد جازماً أن المجتمع إذا أراد أن يصحح هذه الثغرات ويصد رياح الخطر عن شبابنا، لا بد له من إعادة الحيوية والحياة لفعاليات مكافحة المخدرات، ولا بد للأسرة - كل أسرة - أن تتمعن في هذه المعلومة جيداً. ومن وجهة نظري إن هذا الخبر يعكس أمرين أساسيين.. أولهما سلبي والآخر إيجابي، وإن كنا نتمنى ألا نرى هذا ولا ذاك، ولا نرى إدماناً ولا مدمنين من خلال الوعي بخطورة هذا الداء. كما نتمنى أن تكون أسرة المجمع وكل مستشفى لعلاج المدمنين شاغرة وليست مشغولة بشباب في عمر الزهور.
الأمر السلبي الذي أعنيه هو أن هذا العدد من المدمنين يعني أرقاماً في الواقع من المدمنين أكبر وأوسع لأننا نفترض أن نسبة منهم هم من ينشدون العلاج، والبقية قد لا يزالون بعد في دائرة الإدمان الخطيرة، ولم يهتدوا بعد إلى جادة الطريق.. نسأل الله أن يحفظ شبابنا من شرور وسموم هذه الآفة المدمرة. وهنا أتساءل، وربما كل غيور على شباب هذا الوطن: أين الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات والتوعية بأضرارها؟.. ولماذا لم نعد نرى وجوداً لفعالياتها حتى نرى أثراً حميداً لها في الحد من تعاطي المخدرات.
لا شك أن كل إنسان عاقل وبصير على نفسه ومستقبله وصحته ورزقه وعلى أهله وأسرته، وقبل ذلك دينه يدرك أن هؤلاء الأشرار مروجي المخدرات يستهدفون شبابنا ويزينون لهم تعاطيها، ونحمد الله أن الأجهزة المعنية والعيون الساهرة لهم بالمرصاد، وقد شددت المملكة عقوبة الاتجار وتهريب المخدرات إلى حد القتل باعتبارها فساداً وإفساداً وجرما محرما شرعاً وفي كل الأنظمة والقوانين، ويتكاتف العالم في محاربتها، ولكن المرجوين معدومي الضمير يحاولون إدخال هذه السموم بشتى الطرق وبكل الحيل التي أصبحت مكشوفة، فالمال الحرام وما يظنونه أرباحاً طائلة نار حارقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كثيراً ما سمعنا وقرأنا قصصاً حقيقية ومآسي واقعية يندى لها الجبين عن مدمنين باعوا ما وراءهم وما أمامهم وتفككت أسرهم وضاع أولادهم بسبب الإدمان، ومنهم من ندم وسار على العلاج وفق قواعده من السرية للحفاظ على سمعته ومستقبله، وهناك من نسأل الله الهداية له. ولكن ماذا عن الأمر الإيجابي من هذه النسبة العالية من المدمنين الذين يخضعون للعلاج؟.. هذا يعني أن هناك ولله الحمد هداية وصحوة ضمير وإرادة لمن وقعوا في براثن هذه الآفة القاتلة واتجهوا من تلقاء أنفسهم أو بمساعدة أسرهم إلى العلاج، وهذا يبشر بالوعي حتى لو كانت التجربة قاسية ومريرة ومؤسفة. ودائماً وأبداً يظل دور الأسرة أساسياً، فنحن نرى حياة العصر وقد أخذت بالألباب مع كل جديد تبثه العولمة؛ لذا نتمنى عودة إلى خطة توعية وإحياء ما كان قد بدأ من فعالياتها عبر الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات.. نسأل الله الهداية لشبابنا.
حكمة: درهم وقاية خير من قنطار علاج |