طفل عمره عشر سنوات تقريباً في المحيط الأسري، عُرف بسرعة الجواب وحضور الذهن خاصة في مجالات الفكاهة، قلت له قبل أيام وأنا أتصفح صحيفة تنشر خبر رحيل السلحف (الوحيد) عن عمر يناهز 255 عاماً: أرأيت لقد مات أخيراً!!
فرد الطفل بسرعة دون أن يوجه نظره إليّ أو إلى الجريدة بقوله: أعرف كل شيء عنه.. فسألته: وكيف كان كل ذلك؟ أجاب: كنت عنده حينما فقس من بيضته!!.. يا له من طفل أفاق، لكن ثقته بنفسه حينما يكذب تعجب من يعرفه ومن لا يعرفه، يوحي لك بهدوء أعصابه وعدم ارتباكه أنه أصدق الأطفال وأعذبهم كذباً، أكذوباته لطيفة لأنه لا يعتدي على أحد ولا يختلق بها مواقف ساخنة تدعو للتشابك بالألسن والأيدي بين أقرانه الأطفال، هو يصطنع أكاذيب وخيالات وقصصاً وهمية لمجرد الإضحاك، ويقال أن فيها فوائد وعبر لأترابه الصغار.
أعود لذكر السلاحف (ادوايتيا) أو الوحيد الذي نفق في أحد حدائق لندن بعد معاناة من أمراض لاحقته في الآونة الأخيرة، وسيتم تحنيطه وحفظ ترسه في الحديقة ذاتها لإبقاء ذكريات جميلة أمضاها معه زوار الحديقة، وفي نظري أن أهم من الذكريات هو تذكير كل من يدلف إلى تلك الحديقة أن كل شيء زائل مهما طال أمده والعبرة بالخواتيم، فكم تمتع السلحف وامتع غيره، وكم أفنى من ملذات الدنيا، وكم تزوج من حسناوات بني سلحف وغادرن وبقي هو صامداً بعنفوانه وبنيته الجسمانية، عاش مدللاً طروباً مرفهاً في حديقة جميلة بمدينة الضباب بين المعجبين وكاميرات التصوير، وفي النهاية مرض وموت أبدي ولم يبق إلا ترس محنط لابن سلحوف بعد أكثر من قرنين ونصف القرن.. اللهم اجعلنا ممن يبصر ويتَّعظ.
|