لا شك أن منطقة الخليج العربي تشكل مركزاً حيوياً على المستوى الدولي؛ لكونها مصدراً استراتيجياً للطاقة التي تؤثر في الاقتصاد والاستقرار العالميين. ولذلك فعندما تشهد المنطقة أية أحداث فإنها غالبا ما تصبح محور الاهتمام والمتابعة إقليمياً وعالمياً. فنجد زخماً هائلاً من التقارير والتحليلات الإعلامية المتلاحقة التي تبثها وسائل الإعلام العالمية، وكمّاً كبيراً من الدراسات والبحوث المتعاقبة التي تصدر عن مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية الأجنبية. وينصب أغلب تلك البحوث والدراسات على أمن الخليج، واستقراره، والتحديات التي تواجهه، والمخاطر التي يتعرض لها، وسبل مواجهتها في الحاضر والمستقبل، وكثير من تفاصيل الشؤون الاجتماعية, إلى آخر تلك الطروحات العابرة للأقاليم والقارات. وتأتي هذه المقالة لغرض التفكير في غايات وجدوى ذلك الاهتمام في جوانبه السلبية, وتطرح رؤية مختصرة عن الفكر والثقافة السياسية الخليجية المفترض أن تكون بديلاً مناسباً.
والمدقق في تلك الأبحاث والدراسات تستوقفه ملاحظة جد خطيرة، وهي أن أغلب تلك الأبحاث والدراسات تكون حافلة عن قصد أو جهل بالأخطاء والمبالغات. فالكثير ممن يقومون بإعدادها لمراكز الدراسات الاستراتيجية هم السياسيون أو العسكريون والأكاديميون والصحفيون المتقاعدون من وظائفهم فيتحولون إلى خبراء في شؤون تماثل شأن الخليج. وأتوقع أن توجهات مشبوهة وكذلك الحاجة لكسب المال هي الموجه الرئيسي لذلك التفاعل الغريب. ومن السهل أيضا أن تستمع إلى حوار تلفزيوني أو محاضرة أو تجد دراسة عن الخليج وأمنه من باحث أو أكثر، معرفتهم بالخليج متواضعة، أو لم يزر أحد منهم منطقة الخليج للتعرف على طبغرافيتها أو ديمغرافيتها أو مواصفات شعوبها أو محددات أمنها لتكون دراسته أو طروحاته مبنية على علم بحقيقة ما يكتب أو يتحدث عنه؛ بل غالبا ما ينطلق أولئك المحللون من معلوماتهم القديمة التي ربما كانت مغلوطة أو ناقصة عن المنطقة وشعوبها؛ ما يجعل اكثر تلك الدراسات بعيدة عن الواقع مليئة بالأخطاء والمبالغات كما سبقت الإشارة.
والمؤسف أن الآراء والأفكار التي تحويها تلك الدراسات والبحوث سرعان ما تجد طريقها إلى التداول والانتشار - في الدول التي تضم تلك المراكز - من خلال وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم من معاهد وجامعات - وخصوصاً ما يدرس منها العلوم السياسية -؛ ما يضفي على تلك الأفكار والآراء سمات (العلمية) و(الأكاديمية) ويجعلها أقرب إلى الحقائق والنظريات الموضوعية، منها إلى الآراء والأفكار الذاتية الشخصية؛ بل إنها تتحول بحكم الزمن في كثير من الأحيان لتصبح مرجعاً لصناع القرار الاستراتيجي في تلك الدول.
وما تلبث تلك الآراء والأفكار أن تنتقل إلى منطقتنا عبر بعض المثقفين والكتاب والصحفيين، الذين يقومون بالترويج لها في الكتب والمجلات والندوات والمحاضرات وغيرها من التحليلات والمقابلات في محطات التلفزيون ووسائل الإعلام. وبتقادم الزمن ينظر إلى ما تبثه تلك المراكز باعتباره رؤى وقضايا أكاديمية وعلمية رصينة. ولا توجد آلية لإمعان نظر أو تدقيق وتحليل لما تتضمنه تلك الوسائل من أفكار وآراء قد تكون مجرد ظن، أو تخمين، أو وهم؛ بل ربما تكون أخطاء وأكاذيب متعمدة لإثارة القلق والفتن والمخاوف الدائمة بين شعوب وحكومات المنطقة. ويترتب على ذلك العبث الفكري نشوء الأزمات وعقد المزيد من صفقات السلاح، والدخول في معاهدات وتحالفات، تستنزف اقتصاد المنطقة وتباعد بين شعوبها وحكوماتها، وتؤخر - إن لم تعوّق - خطط التنمية في مختلف المجالات، فضلاً عن ترسيخ الشعور بالخوف والترقب والحذر؛ ومن ثم عدم الاستقرار والهدوء بالمنطقة.
ويكفي أن تتابع بعضا من المقابلات التلفزيونية التي تبثها القنوات الفضائية عن بعض الأحداث في منطقة الخليج لتستفزك تحليلات ووجهات نظر أو إجابات بعض المتحاورين الأجانب. أو أن تشارك في فعاليات مؤتمر أو ندوة تعنى بشؤون الخليج لتتعجب للتفكير الجمعي الذي يتساوى فيه بعض من المشاركين من خارج المنطقة من حيث مفاهيمهم السلبية أو ضحالة تفكيرهم عن الشؤون العربية عامة والخليجية خاصة. سبب التعجب هو عن كيفية استسقائهم لمعلوماتهم الانتقائية المتشابهة ثم الإطار الفكري المتحجر والطارد لأي محاولات لتصحيح معلوماتهم. ينطبق هذا المفهوم على كثير من الزوار الأجانب وفودا وأفرادا، وتتضح ضحالة فهمهم وسلبية توجسهم تجاه هذه المنطقة من أسئلتهم التي قد يعتبرها البعض سطحية رغم أنها قناعات متواضعة أو مغلوطة. أولئك وكثير من أمثالهم ضحايا لذلك النهج الذي تبثه مراكز الأبحاث على مر العقود. وأعترف هنا بوجود الكثير من المعتدلين المتنورين, وأصحاب الآراء والمفاهيم الصحيحة والإيجابية؛ وهذه من المسلمات المعروفة, وليسوا مجالا للنقاش هنا في هذه المقالة, المحصورة على الوجه الآخر للفكر السلبي.
وليس لدي أدنى شك بأن أهل الخليج اليوم قد أصبحوا أدرى بشؤونهم عن قرب وصدق وتخصص وحكمة. فبلدان الخليج قد أصبح فيها من المفكرين والخبراء من يستطيع أن يحلل المخاطر المفترضة ويقارن بين المكاسب والخسائر من جراء إثارة بعض القضايا المفتعلة أو تلك التي لا ترقى إلى مستوى الأزمات الكبرى. ولن تغيب عن فطنة خبراء الخليج احتمالات التحديات المستقبلية والخيارات الملائمة حيال كل احتمال. ويجدر بي هنا وبالقارئ الكريم أن نتذكر أن الماضي القريب قد شهد جهودا كبيرة موفقة حققها قادة من الخليج لرأب الصدع في الخلافات بين بعض دول المنطقة. واستطاعوا تقريب وجهات النظر بين الدول المختلفة؛ ما جعلها تعيش مناخا إيجابيا ومتفائلا عبر السنوات العشر المنصرمة. وكان ذلك هو المناخ الطبيعي الذي وفر على هذه الدول والمنطقة الكثير من الجهود المتوقع استنزافها في حالة استمرار التوتر السلبي.
وكان من نتائج التقارب والتوافق بين دول الجوار الخليجي أن حولت مجهوداتها إلى مجالات تنموية, هي أولى من تبعات الأزمات المفترضة أو المفتعلة. فقد لمس أهل هذه المنطقة نتائج حسن الجوار بانعدام الخوف, وعدم المبرر لوجود مؤشر تهديد خارجي مستمر, كما كانت القوى الخارجية ومراكز الدراسات الأجنبية تثير وتتناقل. بل إن حالة التوافق نتج عنها تطور إيجابي مشهود في العلاقات بين دول الجوار الخليجي وشعوبها؛ ما حقق مناخا مساعدا على التعاون والاستقرار المستقبلي. وكان من بين تلك التطورات الإيجابية بروز نوع من التبادل الثقافي والتجاري, واختفاء مؤشرات التنافر الثقافية والإعلامية وغيرها.
وفي السنوات القليلة الماضية, وبعد استراحة ملموسة عادت مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية من خارج منطقة الخليج إلى الظهور مرة أخرى وصاحبها نفوذ إعلامي وسياسي وقدرة هائلة على البث والنشر والتوزيع والاتصال. ومن المعروف أن لتلك المراكز المهتمة بشؤون الخليج قدرة على التواصل الرسمي والأكاديمي مع قوى فاعلة في هذه المنطقة. وإزاء هذا الاهتمام لا يسع المتابع إلا أن يعتقد بوجود غايات أساسية لتوجهات تلك المراكز ودوافع تحركها وأهداف مرحلية لبرامجها المستمرة؛ فكان لزاما الإشارة إليها والتحدث عنها بمثل ما تحمله فكرة هذه المقالة.
ما يقلق في هذا الشأن ليس عرض الآراء والدراسات المتنوعة عن منطقة الخليج بصفة خاصة أو عامة. فالحق يقال بأن هنالك أوجهاً إيجابية كثيرة جداً لمؤسسات فكرية متنوعة بين مراكز الأبحاث والدراسات الإقليمية والعالمية. ولا أتصور أن تتم النهضة والتفاعل الفكري المتنوع إلا من خلال قنوات فكرية موثوقة وقادرة على كسب قلوب وعقول المجتمعات والتأثير الإيجابي في قناعاتهم لتنمية بلدانهم وتنمية التعاون الدولي لصالح الجميع.
لكن ما لا أقدره هو أنشطة بعض المراكز مجال هذه المقالة وكذلك غباء أو غايات من يقف خلفها. ويتضح جليا أن هنالك منهجا مركزيا لإشاعة عامل الخوف المستمر وتأسيس جذور ومسببات التفرقة الإقليمية. وتتم الفعاليات المتنوعة لتلك المراكز وإطارها الإعلامي تحت رداء الأزمات المستقبلية وتبعاتها المتشعبة المفترضة. وتغلف بأساليب ومعايير وفلسفة استراتيجية متقنة تراعي في معطياتها وجداول أعمالها الأحداث الراهنة بما يضفي عليها طابع الجدة والمصداقية قدر الإمكان. وسواء كانت أهداف الإثارة سياسية موجهة, أو اقتصادية أجنبية تتيح فرصاً وأسواقاً لتشغيل المصانع الحربية الأجنبية أو ما شابهها من مغانم أخرى, فتلك كلها مخاطر إقليمية جسيمة. وتلك بيئة فكرية مسمومة تغرس الأشواك في خرائط المستقبل الإيجابي المفترض لهذا الجزء من العالم. فخلاصات المؤتمرات, وورش العمل, وتوصيات الأبحاث من تلك البيئة بعينها لا بد أن يتسرب شيء من تأثيراتها سلبا, ويتراكم ويتحول بحكم الزمن إلى أحداث فعلية تستنزف وتنهك القوى الاقتصادية والسياسية والمعنوية لأهل هذه المنطقة.
ولما تقدم، يجدر بالمعنيين بمضمون هذه المقالة من أهل هذه المنطقة, التفكير في كيفية مواجهة هذا المحيط الفكري الاستراتيجي الخارجي المحكم الصنع والتنظيم والنشر. وكذلك البحث عن أفضل الطروحات الفكرية القابلة للتنفيذ بالطرق والوسائل المناسبة لمواجهة هذا الغزو المستمر في الفكر السياسي الخطير.
وفي محاولة عاجلة للمساهمة بشيء مما أدعو إليه, فإنني أتوقع ألا يوقف هذا الفكر المتفاعل من خارج منطقة الخليج ومناخه الأكاديمي السياسي المسموم إلا بعمل مؤسسي ينبع من هذا الإقليم. ويتعين أن يتمحور العمل الخليجي المضاد في مجال الفكر السياسي والثقافي حول الأبعاد المستقبلية لتبعات استمرار نشر وإثارة ثقافة بواعث الأزمات وتأثيرها في تنمية واستقرار مجتمعات الخليج. ومن الحكمة أن يتم هذا التفاعل المضاد المقترح بأدوات رسمية, وأخرى شبه رسمية, موجهة طبقاً لاستراتيجية إقليمية تواجه هذا الغزو بنفس الأدوات وتستند إلى قيم إشاعة السلام والاستقرار ونبذ الاختلاف والفرقة. وليس بالضرورة؛ بل من الصعب أن تكون الخطط أو العمل المقترح بمثابة عمل إقليمي جماعي موحد. والأكثر قابلية للتنفيذ وللنجاح, ان تكون هنالك رؤى مستقبلية عامة ونهج موجه نحو المصالح العليا لهذا الإقليم.
ويبقى التأثير المتوقع في تنفيذ برامج محلية وإقليمية تتكامل في غاياتها وتستفيد من تعدديتها لإشاعة ونشر ثقافة وفكر التعاون والسلام نحو غد أفضل للجميع. وحين يصبح هذا النهج بغايته الواحدة وسياقاته المتعددة شأنا مستمرا, فسوف يكسب المصداقية ويؤثر في المناخ الاجتماعي والسياسي بعد تراكم فعالياته الإيجابية. وسيكون العمل الموجه والمتقن من داخل هذه المنطقة قادرا على ردع مبالغات وخلاصات بحثية وأكاديمية وإثارات إعلامية ضارة ومزدوجة المعايير تبث من خارج المنطقة. وأختتم برأي أكاديمي وسياسي غربي مرموق, التقيته مؤخرا في حوار مفتوح عن الشؤون المحلية والإقليمية, حيث قال:... إن ما ينقصكم هو حملة مكثفة في الدبلوماسية العامة؛ وسوف يستمر بث مفاهيم لا تقدرونها, وستتعاظم المعلومات سلبا أو إيجابا بحكم التفاعل العالمي والمعلوماتي المكثف, وعدم وصول واقعكم ووجهات نظركم ومواقفكم, مرهونة بالبرامج الناجحة للتفاعل مع الآخرين. وأنا أتفق معه في ذلك. والله الموفق.
* عضو مجلس الشورى السعودي - نائب رئيس لجنة الشؤون الأمنية بمجلس الشورى |