Wednesday 29th March,200612235العددالاربعاء 29 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الاقتصادية"

مواجع الفوضى الاستثمارية تحت المجهر (2-2) مواجع الفوضى الاستثمارية تحت المجهر (2-2)
إعادة هيكلة العقول استثمارياً لمواجهة التحدي
د. صالح بن سبعان (*)

في إطار استعراضنا لأوجه الخلل الاستثماري في المملكة، رغم أن الظروف مهيأة تماماً ليكون النشاط الاستثماري فيها من أقوى دعامات الاقتصاد الوطني، إذا ما وجه توجيهاً سليماً، إذ يستطيع أن ينعش كافة القطاعات الاقتصادية الإنتاجية منها والخدمية، ويرتقي بها بشكل فعلي عن قدرات وإمكانات المملكة الاقتصادية والسياسية.
في هذا الإطار تناولنا أوجه القصور في النظم والمؤسسات ذات العلاقة حيث أشرنا إلى القطاع المصرفي في الحلقة الماضية، مرجئين الحديث عن ضلع المثلث الاستثماري الثالث والخاص بالعنصر البشري، رغم إشارتنا إلى تداخل عنصري النظم والعنصر البشري.
سوق خارج السيطرة:
ويبدو تداخل العنصرين بصورة أوضح في الحالة التي ضربت أطنابها في سوق الأوراق المالية بشكل مريع، خلال الأيام الماضية، وقبل أن يتم تصحيح الوضع بقرارات مجلس الوزراء ومجلس الاقتصاد الأعلى وهيئة سوق المال، حيث تفاقمت خسائر الأسهم بهبوط مؤشرها إلى ما يقارب ال (15) ألف نقطة، وإلى درجة قوضت مكاسب العام الماضي وهذا كان قبل قرارات مجلس الوزراء أمس الأول.
صحيح أن التدهور لم يقتصر على السوق السعودية، بقدر ما كانت عربية وخليجية عامة، لدرجة ألقت فيها الأزمة بظلالها على ملتقى الأسواق الخليجية حيث أدى هبوط الأسهم فيها إلى اعتذار عدد من المشاركين، فيما دعا المشاركون في المنتدى الذي افتتح فعالياته يوم الثلاثاء (15صفر) في دبي، إلى التدخل لوقف هذا التراجع الذي كان انهياراً بكل ما تعنيه الكلمة، إلا أن التراجع في سوق الأسهم السعودي احتل الدرجة الثالثة خليجياً بعد مسقط والبحرين.
وقد ارتفعت العديد من الأصوات هنا مطالبة الجهات الرسمية بالتدخل لوقف نزيف الخسائر عبر قرارات تشمل التدخل القوي لصناديق الاستثمار الحكومية، والسماح للمستثمرين الأجانب بالاستثمار في السوق، وتفعيل قرار تجزئة الأسهم وهو ما تم الاستجابة له من الجهات العليا.
ومما يدلك على عمق وخطورة الأزمة أنها استدعت تدخل المجلس الاقتصادي الأعلى الذي عقد برئاسة خادم الحرمين الشريفين جلسة خاصة في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها، وتهدف إلى طمأنة المساهمين إلى متانة اقتصادهم الوطني، حيث أعرب المجلس عن دعمه الكامل للإجراءات التي قامت وتقوم بها هيئة سوق المال لتنظيم السوق وحماية المستثمرين، خاصة صغار المساهمين، وذلك بعد مناقشته لما تعرضت له سوق الأسهم مؤخراً من هبوط حاد بعد صعود حاد شهدته خلال الفترة الماضية، وقد تلا ذلك قرار مجلس الوزراء بتجزئة الأسهم بحيث يكون سعرها عشرة ريالات، والسماح للأجانب بالبيع والشراء في سوق الأسهم.
وفي ظني أننا كنا نستطيع تدارك هذه الأزمة لو لم تلهنا النشوة عن التساؤل ودراسة أسباب ذلك الصعود الذي يستدعي الدراسة والبحث لمعرفة الأسباب والعوامل التي أدت إليه، وهل هو صعود حقيقي وطبيعي ويعبر عن واقع المؤسسات المستثمرة أم أنه مفتعل، أم وراءه عوامل أخرى.
لقد غاب تماماً دور هيئة سوق المال قبل وأثناء الأزمة، ولعل النظم لم تساعد الهيئة لتقوم بدورها على النحو المرجو لأن جهودها موزعة في أكثر من اتجاه.
فالهيئة تقوم بأكثر من وظيفة، فهي الجهة المشرعة، وهي الجهة المنفذة للتشريع، وهي الجهة الرقابية على المؤسسات العاملة في هذا المجال، ثم هي التي تضبط المخالفات في السوق، وتباشر التحقيق، ثم أخيراً هي الجهة القضائية التي تصدر الأحكام على من ضبطهم وحققت معهم.
ولا أعلم لماذا لا يُوكل القضاء في مخالفات سوق المال لجهة قضائية محايدة ومستقلة، لضمان الشفافية وإقامة العدل، ثم لتحقيق نوع في فصل السلطات.
أما أن تكون الهيئة هي الخصم والحكم فلا يحقق شيئاً من ذلك، ثم إنه يتحقق خصماً على دورها كمشرف على حركة السوق اليومية، قراءة ومتابعة ورصداً وتخطيطاً استراتيجياً.
هوامير الظلام تتحرك:
عدم كفاية النظم، وعدم تطبيق - أو سوء تطبيق الموجود منها. أتاح للهوامير مناخاً مواتياً يمارسون فيه مختلف أنواع الأساليب، ومختلف أشكال التصرفات للإثراء السريع على حساب صغار المستثمرين الذين، وبسبب الركض الأعمى وراء الربح السريع والكبير وضعوا كل ما بين أيديهم وما ليس بأيديهم في هذه القنوات الاستثمارية.
لقد شاعت وانتشرت وتكررت بشكل يومي القصص والمآسي، عن أصحاب شركات استثمار وهمية (لهفو) الملايين من هؤلاء المستثمرين الصغار، وتكاد النظم لا تفعل لهم شيئاً، وليس النظم القضائية وحدها هي التي خذلتها اللوائح إنصاف هؤلاء الضحايا، وردع هؤلاء الذين أثروا قطع الطريق على غيرهم.
وفي سوق الأسهم فإن الهوامير أكثر خفاءً، ويشار إلى أولئك - أي هوامير الأسهم - بكبار المضاربين وكبار المستثمرين الذي يمسكون بخناق سوق الأسهم، يرفعونها عالية متى ما شاءت مصالحهم الذاتية و(يضربون) بها الأرض متى ما شاءوا، فهم المتحكمون في السوق.
وإذا قال بعض المحللين الاقتصاديين: إن هذه الأزمة كانت بسبب وقفة لالتقاط الأنفاس ومراجعة الحسابات قام بها المتعاملون، فإننا نعتقد أنها يجب أن تكون فرصة أيضا للمسؤولين لوقفة يراجعون فيها النظم والآليات والخطط التي تعمل بها السوق المالية، لإدراجها في منظومة استراتيجية استثمارية شاملة تحتل مكانها في عجلة الاقتصاد الوطني الكلي.
هيكلة العقول استثماريا:
لا أستطيع الادعاء بأنني ذكرت كل ما يمكن أن يذكر أو يقال عن سوق المال، والسلبيات التي يمكن أن تتسلل عبرها لزعزعة استقرارنا الاقتصادي والاجتماعي.
إلا أن الحديث عن العنصر البشري في مثلث العملية الاستثمارية، رغم تداخله مع عنصر النظم والقوانين يحتاج إلى وقفة، ولو عابرة في هذا السياق.
لا شك أننا - العاملون في مجال الاستثمار والمتعاملون فيه - نعاني من ضعف في الثقافة الاستثمارية.
وضمن أسباب كثيرة، فإن النزعة الاستهلاكية والميل إلى استسهال الحصول على الثروة أو شبه الثروة، والمتأتي كواحد من سلبيات الوفرة الأولى، التي أفرزت العديد من العادات والنزعات السلبية، تعتبر واحدة من أهم أسباب ضعف ثقافتنا الاستثمارية.
إذ إن الفهم العام للاستثمار لا يتجاوز عند الكثيرين الرغبة العمياء في ضربة ربحية عالية تقفز بالمتعامل من الصفوف الخلفية إلى ذروة الثراء وجني الملايين.
أما كيف، وما هي الوسيلة التي يمكن أن تحقق هذا الهدف، الذي هو حلم يقظة لا أكثر، فلا تتجاوز (المقامرة) دون معرفة أو إلمام كاف بخبايا وآليات هذا السوق.
هذا من ناحية.
أما هوامير السوق - من ناحية أخرى.. فيلعبونها بمنطق من يأكل القوي الضعيف، ولا تتم هذه العملية وفقاً لقواعد ونظم العمليات الاستثمارية، وإنما باللجوء إلى الاستغلال للسيولة النقدية الضخمة، وبالتحايل على النظم والالتفاف حولها.
لذا قلنا: إن الاستثمار يزيد الغني غنى - بشتى الطرق والوسائل -، ويزيد الفقير فقراً حيث تصب أمواله في رصيد أولئك، ويجرد من القليل الذي ادخره أو استدانه.
وإذن فنحن في حاجة إلى إعادة هيكلة العقول، وإعدادها بالثقافة الاستثمارية اللازمة حتى يستقيم الوعي لدى العامل والمتعامل وقبلهما المسؤول بأن النشاط الاستثماري يعد من أخطر أشكال النشاطات الاقتصادية لأنه يقوم على منظومة معرفية أصلا هي جديدة علينا - ولأنه يؤثر - سلبياً وإيجابا - على كافة أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، وفي حركة اقتصادها الكلي الوطني.

(*)أكاديمي وكاتب سعودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved