Wednesday 29th March,200612235العددالاربعاء 29 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"متابعة "

عثمان الصالح كبير غاب عثمان الصالح كبير غاب
عبد الرحمن فيصل المعمر

غاب بالأمس واحد من كبارنا. رحل رمز من رموزنا. لا أدري كيف أقول ولا من أين أتناول الحديث عن الفقيد الراحل! كنت في سن اليفاعة يوم رأيت الأستاذ (هكذا كان يسمى) وذلك عام 1370هـ تقريبًا يومها كنت أزور منزل جدي لأمي المرحوم علي بن حسن بن معمر في حلة آل سلمة بين شارعي آل سويلم والظهيرة بداخل مدينة الرياض القديمة. كان منزل الفقيد الراحل مجاورا لمنزل جدي رأيت الأستاذ (يحوّل من الموتر) بهيئته وقامته كان شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر قد وضع ثلاثة أقلام في جيب الثوب الأمامي يعتمر العقال ويلبس المشلح لم تزل صورته القديمة أمام عيني وفي ذهني حتى الآن.
ورجعت من نجد إلى الحجاز ومضت سنون وسنون وانتقل الشيخ إلى منزله الجديد في شارع الخزان وعدت إلى الرياض، ولقيته في أول اجتماع لتأسيس مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر في منزل الشيخ عبد الله بن خميس في شارع جرير بحي الملز عام 1383هـ تقريبًا ومن ذلك اليوم توثقت أسبابي بأسبابه وصرت واحدا من أصدقائه وأحبابه ولما توليت رئاسة تحرير صحيفة الجزيرة. كان الفقيد رحمه الله مديرًا لمعهد العاصمة النموذجي المجاور لمقر مؤسسة الجزيرة بحي الناصرية وقد كلف من قبل زملائه بالإشراف على الإدارة والمطابع (مديرًا عامًا) فكان يجمع بين إدارة المعهد وإدارة شؤون (الجزيرة). كنت أراه يوميًا أجتمع به وأستمع إلى توجيهاته الأبوية وملاحظاته الأدبية كان رحمه الله يتصف بصفات كثيرة منها الوفاء والسخاء والتسامح وصلة ذوي القربة والتواصل مع الناس يحرص على ذلك يسعى ليدخل السرور إلى القلوب يحضر في اليوم والليلة أكثر من مناسبة في أماكن متباعدة يضغط على نفسه يتحامل ويجامل على حساب صحته وأسرته. يسأل عن كبار السن يداعب بعضهم بكلمات وعبارات وملح شعبية طريفة مثل (وراك ما تعرس يا بو فلان) يتفقد الأصدقاء القدامى. يشفع في حوائج من يقصده في داره ومجلسه يتوسط في الخير. وخصلة فيه أخرى يعرفها عنه الكثير وهي حب الثناء على الإنسان أمامه والسكوت عن نواقصه خلفه.
وقد لامه بعض الناس أو ناقشه في حبه للثناء والمدح وعدم ذكره لضدها فقال: (إن كل إنسان فيه خصلة خير وأنا أنظر للجانب الإيجابي ولا ألتفت إلى السلبي). وهذا من حسن معدنه وطيب محتده وعدم تتبعه لعورات الناس وسوءات البشر.


ومن ذا الذي تحصى سجاياه كلها
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

كانت فترة إدارته لمؤسسة الجزيرة للصحافة بالنسبة لي من أجمل الفترات وأطيب العلاقات والأوقات فقد جلب لصحيفة الجزيرة كتابًا وأحبابا وشجع شبابًا وطلابا فصاروا بعد ذلك ملء السمع والبصر والفؤاد؛ لأنهم تدربوا تحت إشرافه في معهد العاصمة النموذجي على الخطابة والكتابة ومواجهة الجماهير والقدرة على التعبير، أذكر منهم الأمير سلطان بن محمد بن سعود الكبير الذي كان الشيخ يفتخر به وبأقرانه يباهي بهم ويبارز المعاهد والمدارس الأخرى وهو محق في ذلك.
ودارت الأيام واستدارت السنون والأعوام وتعرفت عبره وعن طريقه على الرجل الأسطورة الباقعة الذي ضربت به الأمثال وسارت بذكره الركبان وشدت إليه الرحال في الجود والفضل والشهامة والعقل. العم المرحوم الشيخ محمد الحمد الشبيلي (أبو سليمان وكفى) أقول قدمني إليه الشيخ عثمان الصالح في محفل كبير وجمع مشهود (وأنتم تعرفون أبا ناصر وتقديمه لمحبيه ومريديه) وأدهشتني والله شخصية الكبير أبو سليمان وعظمته وأنفته وهيئته وهيبته وأسرني بحديثه وتعامله كما أسر كل من عرفه أو اتصل به وعجبت كيف لا يكتب تاريخ هذا الإنسان النادر المثال لتقتدي به الرجال وتقرأ سيرته الأجيال وعزمت وتحمست وكتبت مقالاً مطولاً نشر في صحيفة الجزيرة في حياته بعنوان (من يتصدى لتاريخ هذا الرجل) وسعى الشيخ عثمان بالمقال لأبي سليمان يطلعه عليه في فندق زهرة الشرق في ليلة مقمرة من ليالي الرياض.


وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر

رحم الله الشيخين الفقيدين وأعلى منزلتهما في الجنان.. ماذا أكتب وماذا أمح ماذا أقول وماذا أدع فمجال القول عن الأخيار متسع وعن الكبار ذو سعة.
ولما ألقيت محاضرة بعنوان (المضيفات والممرضات في الشعر المعاصر) ونشرت في صحيفة (الجزيرة) قبل طبعها في كتاب صغير عقب عليها الشيخ عثمان بمقال عارض فيه المحاضر فحاور ولم يحر وداور ولم يستدر وقد نشرت رأيه لما طبعت الكتاب بعنوان (هجاء المضيفات والممرضات في الشعر المعاصر) ص 57
أما رسائل الشيخ وتوصياته وشفاعاته للناس وقاصدي داره ورواد مجلسه فالحديث عنها يطول. كان يحب أن يشفع بقدر ما يقدر وأن يساعد ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأحسب أن الكثير والجم الغفير لديهم رسالة أو رسائل مما كان الشيخ يخطه بيمينه بحبر مميز وقلم ممتاز وحديث عن المشفوع له بامتياز. لا أحب أن أطيل فلدي الكثير، ولدى غيري الأكثر. رحم الله الفقيد الراحل وأسكنه فسيح الجنان كفاء حسن خلقه وحبه للصفة الحسنة في كل إنسان وستره للمعايب والمثالب والنقصان.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved