Wednesday 29th March,200612235العددالاربعاء 29 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"متابعة "

كيف عرفت الأمير عبدالرحمن السديري ؟ كيف عرفت الأمير عبدالرحمن السديري ؟
د. حسن بن فهد الهويمل

عرفت الأمير عبدالرحمن السديري - رحمه الله - عن قرب، وفي وقت مبكر، وأسهمت بجهد المقل في مشاريعه الثقافية المتجاوزة لمرحلتها، وأحسست أنه بهذه المبادرات يمثل وعياً استثنائياً سبق مرحلته، وبخاصة في منطقة نائية، يعيش جل أهلها على التجارة. ولقد كنت أسمع من أبي أحاديث عن رحلاته إلى الشمال لتجارة الإبل، وكانت أحاديثه لا تخلو من ذكر أحد من أبناء هذه الأسرة العريقة، ولم أكن يومها أعرف أحداً منهم بعينه، ولكن ذاكرة الطفولة تحتفظ بالحدث كما النقش على الحجر. ومات أبي وعمي، وظلت هذه الحكايات عالقة في الذاكرة.
ولما بادر الأمير وطوَّر المكتبة وحولها إلى دار الفكر في الجوف كان لي شرف الإسهام المتواصل في مناشطها، أكتب في مجلتها (الجوبة)، وأحاضر وأنتدي، وقل أن يمر عام لا أكون حاضراً (الجوف) بكل ما يعج به من فعاليات، حتى لقد توثقت صلتي بأبناء الفقيد، وكدت أكون جزءاً من هذه المنشأة الحضارية بفضل كرمهم ووفائهم.
وكنا حين نقدم إلى الجوف ضيوفاً مكرمين على الأمير وأبنائه نكون خليطاً من جهات شتى من المملكة، وكان الأمير عبدالرحمن - رحمه الله - واسطة العقد وإن كان يدب دبيباً، ويعاني من الشيخوخة المبكرة، ولكن أبناءه البررة يسدون خلالاً كثيرة، فهم على جانب من الثقافة وحب التواصل والخلطة، ومجالسهم معمورة بأطيب الأحاديث. عرفت سلطان وفيصل وزياد وسلمان، وعرفت الأدوار التي يقوم بها كل واحد منهم، وتسابقهم في سبيل خدمة المجتمع، وتمكين أبنائه من الانتفاع المعرفي.
لقد أنشئت تلك الدار على أحدث الطرق، وزودت بكل متطلبات المؤسسات الثقافية العالمية، وكانت ولما تزل مثار إعجاب الزائرين لها، ودار الفكر التي تحمل اسم الفقيد الأمير عبدالرحمن السديري منارة علم ومعقل ثقافة، فيها مكتبة عامرة بالكتب، وقاعة للمحاضرات، وخلوات لذوي البحوث والدراسات، ومركز معلومات. ومبادرة أبنائه وتسابقهم في تحقيق رغباته دليل برهم به ووفائهم لوطنهم الذي منحهم كل شيء ومكنهم من كل شيء، وليس غريباً أن يصل الأبناء ما بدأه الآباء فلقد كانت الأسرة تتوارث جلائل الأعمال - ومن يشابه أبه فما ظلم - وذلك التسابق إلى مكارم الأخلاق يذكرني بما يفعله أبناء الأمير (خالد بن أحمد السديري) وعلى رأسهم معالي الأمير (فهد بن خالد)، وذلك عبر الجائزة التربوية التي تقام كل عام في محافظة الغاط، ويدعى لها لفيف من رجال العلم والتربية والفكر، وتقدم للمتفوقين مكافآت نقدية من البنين والبنات.
إن فقد هذا الرجل يذكرنا بأمجاد الأسرة وإسهاماتها المتواصلة على مختلف الصعد، ومن سنن الهدى أن يتسابق الكتَّاب والمتحدثون لذكر محاسن الأموات لإسعاد المفجوعين بذويهم، وحث المتباطئين من المقتدرين على مبادرة الأعمال الخيرية. وإذا كان الأمير الفقيد قد خص موطن مسؤوليته بهذه المشاريع الثقافية فإن أبناءه قد ذكروا مسقط رأسه وملاعب صباه مدينة (الغاط) فأنشؤوا مكتبة (الرحمانية)، وهي مكتبة وقاعة محاضرات، ولقد كان لي شرف الإسهام في مناشطها.
تلك آثار الرجال الخالدين، وما مات من خلَّف أثراً ينتفع الناس به، وولداً يصل ما انقطع بموته، والأمير (عبدالرحمن السديري) رحمه الله ممن قضوا عمرهم في خدمة البلاد في مواقع كثيرة، وكان مثال التواضع والهدوء وبعد النظر. وإذ نودعه بشخصه نجد أن مآثره حاضرة بيننا وأبناءه السبَّاقين إلى مكارم الأمور يبتدرون ما ترك ليصلوا ما انقطع.
وكل الذي نأمله أن تظل دار الفكر في الجوف ومكتبة (الرحمانية) في الغاط تمارسان مهماتهما كما عهدناهما من قبل، وذلك ما نتوقع ونؤمل، وإذ تعرض - رحمه الله - لغيبوبة امتدت معه لسنوات طويلة فقد برح المشهد وكأني به يردد مقولة لبيد:


ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد

ونحن معه أحسسنا بذلك، فلم نعد نسأل عنه، وإنما ندعو له.
ونذكر مآثره، ونسأل الله له الصبر والاحتساب.
فرحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وأبقى ذكره في الصالحين، محسناً تجري صدقاته، وعالماً ينتفع الناس بمؤسساته، ومدعواً له من أبنائه الصالحين البررة، والبقاء على الحال محال.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved