وغيب الثرى عثمان الصالح، وتناولته يد القدر لتسترد أمانة السماء في الأرض، تحدوها سنتان من الصراع مع المعاناة الأخيرة، فلا غبت عنا يا شيخ ذاكراً تلهج به ألسنة أجيال تربت على يديك، وأجيال تتأهب لتتربى على ذات القيّم، والمعاني التي تركتها لنا أو تركتنا لها.. ولا غبت عنا يا شيخ فكراً تتعطر به ذاكرة مريديك ومحبيك وهم كثر، حملوك في ذاكرتهم أستاذاً ومربياً وموجهاً وأخاً وصديقاً، وساروا بهذه الزوادة المباركة يباهون بك ويفاخرون فيك.. ولا غبت عنا يا شيخ منهجاً تربوياً قويماً كافياً لصقل القلوب والنفوس، وإعمارها بما يلزمها في رحلة الحياة القصيرة.
غيب الثرى الشيخ الصالح فانضم إلى قوافل الصالحين العائدين إلى ربهم يحملون في إيمانهم كتباً مليئة بالحسنات بإذن الله، يفرح بهم ربهم ونبيهم، مثلما يفرح بهم أهلهم والأجيال التي تتوالى بعد رحيلهم. وستبقى (الإثنينية) العتيدة لكل الأزمنة، ولجميع الأمكنة، لأنها دار ندوة بنيت جدرانها على حب العلم والتقوى، ورفعت أركانها على أسس من المعرفة وحب الوطن، وتعالى سقفها ليظل نخبة كريمة اجتمعت لله وفي الله، فيما أمر من العلم والتحصيل والذكر الحكيم.
من حق (المجمعة) أن تزهو بابنها الشيخ عثمان الصالح مثلما من حق الوطن أن يفاخر به ويدونه في سطوره الأولى من المتعلمين المعلمين العاملين الداعين إلى العلم خلال كل الأبواب وخلف كل الجدران.
ومن واجب الجميع تكريم هذا الرجل، وبخاصة المرأة السعودية التي كان لها الفقيد في كافة مراحل عمره سنداً ومعلماً داعياً إلى حقوقها، حاثاً على تعليمها، عاملاً بيدية الكريمتين على غرس المعرفة في عقلها، فهو ممن علم بنات هذا الوطن، وقدمهن تلميذات وأستاذات وباحثات وطبيبات وعاملات في شتى قطاعات العلم والإنتاج.
رحل هذا الرجل وترك لنا حصيلة تصلح بل تسهم مثلما أسهمت في صنع ملامح الدولة العصرية في تركيبتها العلمية ونتاجها الحضاري، حيث أفنى عمره في الدراسة والتحصيل، وفي العطاء غير المشروط وغير المحدود، وضرب لكل المتعلمين مثلاً يحتذى بتلك اللقاءات الفكرية والأدبية والتراثية التي كان هو فارسها جميعاً، فلم يكن هنالك أحب إلى قلبه من أن يجتمع حوله المتعلمون، ويتحلق معه المعلمون، ويتواصل معه المؤدبون والمتأدبون.
سوف يذكر التاريخ دائماً مثل هذا الرجل الذي كتب اسمه على سطوره بحروف من علم نور، ودخل فصوله بفكر نير ملتزم فيه رسالة القادة المفكرين والأئمة المربين، والنخبة الصالحين.
رحمك الله يا شيخ عثمان، وأسكنك فسيح الجنان، واخلفنا بعدك رجالاً مثلك طيبين، وجعل كل حرف علمته طالباً أو طالبة في ميزان حسناتك، وأوردك رياض الصالحين مع الشهداء والأبرار المخلصين، وسقى روحك الطاهرة شراباً بارداً كريماً، وأثابك مغفرة وأجراً عظيماً، وجعلك من الذين تنالهم الشفاعة والأثرة، مع الأخيار والأطهار والبررة.. إنه سميع مجيب الدعاء.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.
|