كلمة جميلة رائعة للداعية والمفكر الإسلامي الدكتور سلمان العودة في عدد (الجزيرة) 12218 الصادر يوم الأحد 12- 2-1427هـ بعنوان (كلّهم قساة) ضربت أوتاراً حساسة في نفسي، ونبشت مشاعر كانت غائبة في أعماقي فطفت على السطح تؤرقني وتشغلني عندما تحدث عن الاختلاف في الآراء والأفكار، وتساءل بمرارة عن أسباب الانفعال والتشنج والاستعداء والتخوين والتبديع والتفسيق وتوزيع التهم وتفسير النيات عند نشوء الاختلاف، وكنت أودّ لو أنه مرّ على بعض الأسباب التي تجعل المخالف بهذه الصورة المرفوضة حضارياً، ويعرج مجتهداً على رؤيته في علاج مثل هذه المظاهر فيقول: (وفي العلم والمعرفة التيارات والصراعات غير النظيفة في سباق محموم للتسلح اللفظي والتراشق بالتهم والألقاب)، ولا شك أن المجال الثقافي والعلمي من أهم المجالات، وقد سمعنا وقرأنا عن صور وحالات مؤلمة من التشتت والتشرذم، وانحياز قوم إلى قوم، والتراشق بالألقاب والأوصاف السيئة والشتم التي تدل على أن هناك خللاً عقلياً يحتاج إلى ردم وإصلاح، حيث يصل الخلاف أحياناً إلى الشخص نفسه بالتحقير والتصغير، وكان الأولى أن يكون النقاش والنقد على الأفكار والآراء فقط بأريحية وهدوء وأدب وحلم وأناة وضمن الضوابط الحضارية لكنها حيلة العاجز إذا ألجمته الحجة، ولا عذر له في ذلك، ومن لا تقومه وتصلحه ثقافته وعلمه لن يقومه شيء.
وكم أودّ أن نرتقي بعقولنا وآرائنا إلى مستوى العصر الذي نعيشه ونتواضع حيث لا يفخر أحد على أحد ونترك المكابرة ونبدد الهالة التي نحيط بها أنفسنا من التميز وأننا أفضل من الآخرين، واعتقاد أننا نحن الصواب وغيرنا خطأ، وليس من الضروري أن نكون دائماً متبوعين غير تابعين لنُقر بالواقع وننقاد للحق ونتعلم من غيرنا ومن واقعنا وننقاد لما فيه خير لنا ولأجيالنا.
أما فيما يتعلق بالمجتمع فيقول الدكتور سلمان: (وفي المجتمع ضروب الاستهزاء العصبي والقبلي.. في كل شيء) وفي تصوري أن علاج مثل هذه النقائص يكون في الوعي الكامل بالإنسان وأنه كائن حي اجتماعي له حقوق وعليه حقوق وله خصائص ومميزات تميزه عن عالم الحيوان، أما هو كإنسان فحتماً عليه أن ينتظم ضمن الإنسانية جمعاء فكل إنسان يملك صفات إيجابية وأخرى سلبية على تفاوت بينهما، وأن الأصل هو التراب، فلا فرق بين إنسان وآخر سوى ما يقدمه لإنسانيته ومجتمعه ولأفراد بني جنسه من خير وسعادة، وما يكون عليه من التقوى التي من المفترض أن تكون هي منبع الفضائل والأخلاق، أما الدعاوى الفارغة بفخر الآباء والأجداد أو الفخر بالأصول وغيرها، فهذه دعاوى جاهلية جوفاء فارغة، فلو عقل ووعى هذا المتلبس مثل هذه النقائص (الفخر والمفاخرة) لعلم أنه من تراب وإلى التراب.
إذاً تبقى المنافسة في العمل الدنيوي في جميع مجالاته، والأخروي في مجالاته المعروفة، فاللحاق بركب الأمم المتحضرة يحتاج إلى ثقافة وعمل وليس بالقول دون العمل والجعجعة والتباهي.
والإنسان الذي ديدنه التباهي والتفاخر فقط، والترفع عن بعض المهن دون أن يقدم لمجتمعه وأمته ما يفيدها هو في حقيقته فاشل في معايشة الحياة واللحاق بركبها، فبدلاً من أن يعمل بثقة ودون يأس ركن إلى زاوية ضيقة مظلمة وملأ فراغ نفسه وعقله بمثل هذه التفاهات علّها تسد النقص الذي يعانيه، وأقول لكل المختلفين في الآراء والأفكار، وإلى كل الذين ينظرون إلى الآخرين بدونية واحتقار تشوبها العنصرية والعصبية لتكن عقولنا كبيرة وواسعة الأفق! ووعينا راقياً بحجم الحضارة التي نعيشها، وأن نكون متحابين متضامنين تربطنا وشيجة العقيدة والدين، وأننا في الإنسانية نحن وغيرنا سواء، فالكل مكرم من عند الله، وأن نلتفت إلى ما يحيق بأمتنا ومجتمعنا من إرهاب وتدمير فنقاومه بالفكر النير الشجاع، والثقافة المستوعبة بكل ما أوتينا من قوة وأن ننضم إلى مسيرة البناء والحضارة والثقافة والعلم فاعلين متفاعلين، ولا نلتفت إلى ادعاء التميز وإلى حكايا العجائز ونجتر الماضي الذي لا يفيد.
سليمان بن صالح الدخيل الله -بريدة |