كنا في البحرين ضمن الوفد الكويتي في برنامج (أيام كويتية في أحضان بحرينية) في جهد من أجل التعريف والتثقيف والتقريب والترسيخ، وهي الأهداف التي يريدها الإعلام الكويتي من وراء البرامج المتتالية التي تنتقل من عاصمة إلى أخرى، قبلها كان الأردن والمغرب. والمهم في هذه البرامج استخلاص الفائدة القصوى من هذه الجهود، وإجادة الترتيبات لمنع التداخل والتعارض.
كان ضمن الوفد الكويتي فنانون وأدباء، ومسؤولون رسميون، وسياسيون، مع كثافة نسائية، وفعاليات اقتصادية شاركت في افتتاح المعرض التجاري.
كان نصيبي أن أكون مع الأخت الفاضلة إقبال الأحمد التي تحدثت عن مشوار المرأة الكويتية نحو الحقوق السياسية في استعراض موثَّق حول المشكلات التي تعترض الطريق، ومنها الضغوط والتلويح بالتهديد وبالتخويف وبالإحراجات.
كنتُ أستمع إلى مداخلتها وأتصور اللوحة المؤلمة التي تعيش فيها المواطنة الكويتية حتى بالمقارنة مع سيدات البحرين وقطر وعمان، كل ذلك بسبب التيارات المبالغة في النهج المحافظ والمبالغة أيضاً في تفسيرات التقاليد والعادات.
واستفدتُ شخصياً كثيراً من متابعة المداخلة التي وفرتها لنا السيدة إقبال أحمد، كنت متصوراً أن حالتنا أفضل مما قدمت.
فصول العلاقة بين البحرين والكويت كتبها التاريخ، وتلاحمت في كل الظروف؛ في الشدة وفي الرخاء، في بؤس الماضي ورفاهية الحاضر، ومَن يريد الاطلاع على حجم التلاحم عليه أن يقرأ المسلسل الدبلوماسي السري الذي سجلته جهود الكويت لتجاوز عقدة إيران في البحرين.
كتب السيد بدر الخالد البدر - المسؤول عن شؤون الخليج في وزارة الخارجية الكويتية - في كتابه: (رحلة مع قافلة الحياة) الذي تولى الملف الإيراني - البحريني بعد أن وضع أساسه سمو الشيخ صباح الأحمد في رحلته إلى طهران في أغسطس 1968م، والذي استنفد جهداً وأخذ وقتاً نحو سنتين كما جاء في كتابه، يقول السيد بدر الخالد: (المطَّلعون على الروابط والصلات المتينة التي ترتبط بها الكويت والبحرين منذ أبعد العصور لن يستغربوا عندما يطَّلعون على تفاصيل تلك المساعي والجهود الصامتة التي امتدت لأكثر من ثمانية عشر شهراً، والتي قامت بها الكويت من أجل التوصل إلى حل مشرف للنزاع الطويل الذي كان قائماً بين إيران والبحرين، سواء عن طريق كبار المسؤولين في الدولة، أو بواسطة وفد الكويت الذي شارك في سلسلة الاجتماعات السرية مع الأطراف المعنية في الكويت والبحرين وطهران وجنيف، الذي كان لي شرف رئاسته).
أربعة تواريخ صنعت مسلسل الحياة في البحرين:
- في 3 مارس 1970م ألقى وزير خارجية إيران بياناً في البرلمان الإيراني يشرح فيه تطورات ومبررات ترك موضوع البحرين بيد الأمم المتحدة.
- في 30 مارس يصل الوفد الدولي إلى البحرين ويقضي فيها 18 يوماً.
- في 11 مايو 1970م يصادق مجلس الأمن على تقرير الممثل الشخصي للسكرتير العام الذي أكد فيه أن غالبية الشعب البحريني الساحقة يرغب في الاستقلال في ظل دولة ذات سيادة.
- 14 أغسطس إنهاء المعاهدة البريطانية - البحرينية وإعلان استقلال البحرين.
نعود إلى موضوع الندوة، كان دوري الحديث عن الخليج الحديث في السياسة العربية والدولية، ويمكن أن أوجز بعض النقاط.
أولاً: تجربتي في الأمم المتحدة أقنعتني وبشدة بهيبة القوة وجبروتها، وعشت في الأمم المتحدة مشاهداً دولاً تختفي ودولاً تبرز، ووفوداً تصرخ ووفوداً تضحك. من تلك التجربة آمنت بأن القوة هي الضامن للبقاء، وأن القوة تأخذ أشكالاً متعددة.
ومن حسن الصدف أن الخليج يملك متانة القوة الاقتصادية، ويتذوق هيبة القوة الحالية، ويحتكر سلطة الندرة المتمثلة في الطاقة التي يريدها الجميع ويملكها القليلون، وأحسن استخدامها زعماء الخليج في إدراكهم للمسؤولية التي فرضتها ندرة الطاقة على سلوكهم تجاه المجتمع الدولي وتجاه الاقتصاد العالمي، فقاوموا التطرف في الأسعار، وعملوا على توفير الاحتياجات العالمية من صادراتهم، ولم يلجؤوا إلى المواجهة والابتزاز أو الاعتراض، وتمكنوا من تطويق التطرف داخل أوبك، ونجحوا في تأكيد وضع دبلوماسية الطاقة العاقلة والناضجة، وروَّضوا الراديكاليين الذين يريدون التضييق على الدول الصناعية للاستفادة من رفع الأسعار، وتحولت ال(أوبك) إلى منظمة متزنة ومحترمة، وارتفع شأن دول الخليج في المداولات الاقتصادية العالمية، وكسبوا احترام كبار المستهلكين، وشيدوا علاقات استراتيجية مع الدول المتقدمة أدت إلى قيام الشراكة البناءة التي نشاهدها الآن.
ثانياً: تميز سلوك قادة الخليج بمعرفة المأمورية التاريخية في تحقيق ترابط عربي - اقتصادي عن طريق دور المؤسسات الاقتصادية والمالية الخليجية في بناء البنية التحتية للدول العربية، ومساعدتها النقدية خارج صناديق التنمية، وتحويلات الوافدين العرب، وهبات الهيئات الخيرية الخليجية، والاستثمارات الواسعة للقطاع الخاص الخليجي، حتى رأينا ثمرات هذا الترابط الاقتصادي العربي الخليجي (الكومنولث الاقتصادي بين العرب) في الطرق الواسعة وفي بناء السدود، وتشييد المدن، فضلاً عن التحسن الملموس في مستوى معيشة الفرد في الدول العربية، كل ذلك خلق واقعاً عربياً متقارباً في المواصلات والاتصالات، شيَّدته المأمورية التاريخية الخليجية، لم تشيده الشعارات ولا أحزاب الأيديولوجيا ولا خطب رنانة، ولا فنون المخابرات والمؤشرات.
كان سمو المرحوم الشيخ جابر الأحمد يعبر دائماً عن إيمانه بترسيخ التضامن العربي عن طريق المساعدات والمؤسسات المالية، وكان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يتعاطف مع المنهج التجاري والاقتصادي في التقارب بين العرب، وكان سمو الشيخ زايد مؤسس المدن والترع والسدود ورجل المكرمات، ونرى الآن الدور القطري في تحويل قطر إلى قاعة حوارات وتثقيف مع همة دائمة في العون والمساعدة.
مَن الذي اختزل المسافات ورفع المستويات واحتضن الباحثين عن فرص العمل، ومَن الذي تعاطف مع ضحايا الكوارث والزلازل، ومَن أعطى للجامعات واحتضن المرضى، ومَن رفع مستوى معيشة الفرد العربي؟..
أهل الخليج بمسؤوليهم وبأفرادهم فهموا استحقاقات التآخي بصورة تختلف عن جدول أعمال الأحزاب الراديكالية والأنظمة ذات الجماهير الميدانية اليائسة.. شيَّدوا بسخاء وبعقل، ولم يتحدثوا عن أمة خالدة ورسالة دائمة ووحدة ثابتة، عرفوا كيف يتفوقون في السخاء وفي البناء وفي قيادة المال والأرصدة، ولهذا استوطنوا في موقع عالٍ في الشراكة العالمية السياسية والاقتصادية، ونالوا الثقة والاستحقاق الدولي؛ لأنهم جديرون بإدارة السلطة النادرة التي يملكونها.
ثالثاً: ليس مستغرباً أن نرى تعاظم الدور الخليجي في الشأن العربي، وانكفاء الأيديولوجيات، وانحسار بريق الزعامات الحزبية والعسكرية، وبروز الخليج كراسم ومخطط ومنفذ للبرامج الاقتصادية في العالم العربي، ومؤثر في المسار السياسي، ونرى متانة العلاقات الخليجية الدولية، وثقة في الشراكة الاقتصادية بينهما، ونرى القدرة على التطور مع المستجدات والتحولات العالمية في بروز النهج الديمقراطي والمرأة وانتشار الوعي السياسي والاجتماعي.
سألني أحد الحاضرين في الندوة عن التعفُّف الدبلوماسي الخليجي الذي يسكن السلوك الخليجي، ولا سيما في التعاطي مع القضايا العربية، وكان ردي بأن تراث الأدب الجم يجعل قادة الخليج - وغير القادة - يبتعدون عن الحصول على مكاسب يريدها الآخرون في عملية إيثار نابع من ذلك التراث.
وهكذا وجد الخليج الحديث مكانة مميزة، وصار صاحب قامة مرتفعة في الشأن العربي والدولي، وموضع ثقة وجدير بالمسؤولية.
|