الواقع أن المطالبة بكلية (الجودة التقنية) دعوة يقتضيها سوق العمل، بل هي تعبئة وطنية وتنظيم اجتماعي واقتصادي في مجال تأهيل الأجيال التقنية في وطننا العزيز، خاصة أن هناك نظرة قاصرة إلى العمل المهني، وفي هذا المعنى يقول الدكتور عبدالواحد الحميد: (إن النظرة الدونية لبعض الأعمال المهنية هي دلالة تخلف لا تقدم، ولقد تجاوز الزمن هذه النظرة البدائية المتخلفة إلى العمل المهني).. (الوطن، العدد 1430). ويجب أن يتوافر في كلية الجودة التقنية - بالإضافة إلى ما ذُكر في المقالة السابقة - خبراء مختصون يكشفون فيها ميول المتدربين وقدراتهم والاتجاهات والتفضيلات المهنية Attitudes Appreciation بحيث يساعدون المتدربين على تقبل المهنة والاعتزاز بها، ونؤكد على أهمية التعاون المستمر مع الجهات الرائدة في هذا المجال كجامعة الملك فهد ومعهد الإدارة وبعض الشركات الضخمة مثل أرامكو السعودية وسابك. وعن أهمية المبادرة بالاستعانة بالخبراء في مجال استنبات الجودة في التدريب التقني فقد استعانت الحكومة اليابانية في بداية نهضتها الصناعية بخبراء أمريكان، منهم على سبيل المثال (وليام ديمنج) و(جوزيف جوران) و(فيجنبوم) لتطبيق طرق وأساليب مراقبة الجودة في قطاع التصنيع، وفي الوظائف التجارية الأخرى مثل التصميم والتسويق والتوزيع والمبيعات والخدمات، وبالرغم من جهود وإسهامات الخبراء الأجانب إلا أن معظم الفضل الكبير يعود إلى خبراء يابانيين منهم على سبيل المثال (كاورو إيشكاوا) و(جنيشي تاجاوشي) و(تايشي أونو)، الذين أرسوا دعائم وفلسفة التحسين المستمر للجودة Continuous Quality Improvement، وكذلك تحسين الجودة وتقويمها Quality Assessment and Improvement، غير أن النجاح في عملية استنبات الجودة يتطلب تغييراً مدروساً في ثقافة العمل.. يقول الدكتور حمود البدر: (أرى أن ثقافة احترام العمل تحتاج إلى أن تأخذ طريقها إلى مدرجات الجامعات، وإلى معامل الكليات والمعاهد بحيث تكون جزءاً من الإعداد للوظيفة، وبدون ذلك سوف يكون العمل ضحية الثقافة السائدة التي لا نرى - لدى البعض - فيها أهمية لاحترام العمل ولا التقيد بالحضور والانصراف بأوقاتهما المقررة ولا باحترام حقوق صاحب العمل سواء كان قوياً أو ضعيفاً ولا بمراعاة أوامر ولي الأمر الذي افترض بالموظف الأمانة والالتزام) (عكاظ، العدد 1526)، وفي نفس السياق تكون المهمة الأساسية لكلية الجودة التقنية تخريج جيل مؤهل فنياً ومميز مهارياً ولديه القابلية على مواكبة العصر المتغير والمتجدد، ويحقق مطالب المجتمع وبالتالي سوق العمل المهنية، وفي نفس الاتجاه تتساءل الكاتبة ميسون الدخيل حين تقول: (فماذا يفيد الفرد علمه إن لم يكن مستعدا لتفعيله واستخدامه من أجل مستقبله العملي أو الوظيفي؟... مستقبل بلدنا... أمانة في أعناقنا فلنكن قدر المسؤولية) (الوطن، العدد 1752)، ويمكن تطبيق هذه التجربة - إن كُتب لها النجاح - على جميع الكليات التقنية المنتشرة في جميع المناطق في مملكتنا الحبيبة، ويأتي ذلك اليوم الذي يتم التعاقد فيه مع المتدرب قبل تخرجه من الكليات التقنية، كما يلزم إعادة تقييم لجميع المدربين في الكليات التقنية بحيث يتم توجيه المدربين الأكفاء إلى كلية الجودة التقنية.
وتشير الأدبيات العلمية والممارسات العملية المتميزة إلى أهمية إيجاد جهة تقوم بدور التقييم والاعتماد وبرامج التدريب التقني، وهذا ما نعالجه في العنوان التالي:
الهيئة العليا لتقييم واعتماد التدريب المهني والتقني
إن التدريب التقني يقوم على مجموعة من البرامج التعليمية والتدريبية في ضوء أهداف محددة مع وجوب وجود هيئات لتقييم واعتماد هذه البرامج في الكليات وبقية الوحدات التدريبية، ومن الهيئات المقترحة الهيئة العليا لتقييم واعتماد التدريب التقني Supreme Commission for Authorizing & Assessing Technical Vocational Training (SCAATVT) ونذكر هنا بعض أسباب المطالبة بتأسيس الهيئة:
1- إيجاد منهجية علمية تضمن جودة البرامج التدريبية فضلاً عن الحقائب التدريبية.
2- الاعتماد والتقييم يعين على تحقيق مقدمات الجودة في الجوانب الإدارية والتنظيمية والتقنية.
3- تحقيق الريادة على مستوى العالم العربي حيث لا يوجد - بحسب علم الكاتب - أي هيئة للتقييم والاعتماد للتدريب التقني، ويمكن في مرحلة متقدمة أن تعمل الهيئة على تقديم خدماتها للكليات التقنية على مستوى دول الخليج أو الدول العربية، مع العلم بأن بعض الباحثين (د. كامل عبد السلام عطية ود. جابر محمد عدنان، المؤتمر والمعرض التقني السعودي الثالث، 1425هـ) قد اقترحوا تأسيس هيئة على مستوى دول الخليج تحت مسمى (هيئة الاعتماد الخليجي للتكنولوجيا(جابت))، وهنا تتضح الريادة التي يمكننا تحقيقها بتأسيس هيئة وطنية.
أما عن المتطلبات التي تساعدنا على النجاح في تحقيق رسالة الهيئة فهي كثيرة ومن أهمها ما يلي:
1- عالمية المعايير: حيث يتوجب الاعتماد على المعايير العالمية في مجال البرامج التدريبية والطاقم التدريبي والحقائب التدريبية وبيئة التدريب.
2- صرامة التطبيق: لا يمكن الإفادة من المعايير حتى ولو كانت عالمية دون تطبيق صارم يبتعد عن أساليب المجاملات في التقييم والاعتماد وغيرها من الأساليب غير الموضوعية.
3- استقلالية الهيئة: لكي نضمن نجاح الهيئة فلا بد من اتصافها بالاستقلال، وذلك أن مقدم الخدمة لا يمكن أن يقيم خدماته، وهذا الأمر مقرر من الناحية العلمية.
4- الشراكة العالمية، وذلك من خلال الحصول على العضوية في الهيئات العالمية المرموقة في مجال الاعتماد والتقييم.
والحقيقة أنني لم أصل بعد إلى نتيجة حاسمة فيما يتعلق بالارتباط التنظيمي للهيئة المقترحة، وهذا يتبع باب الاجتهاد لكل المختصين لكي يدلوا بآرائهم واقتراحاتهم فيما يحقق أهداف الهيئة ويخدم المصلحة الوطنية، متطلعاً إلى أن يحظى هذا الموضوع بالاهتمام الكافي مع كامل الثقة بأن المهتمين بالتعليم والتدريب قادرون على إيجاد حلول جيدة لمسألة الارتباط التنظيمي للهيئة في ضوء بيئتنا الإدارية والقانونية.
(*) الكلية التقنية في بريدة |