القراءة في أحداث العراق وتطوراتها من حالات عنف وإرهاب وشغب وتمرد، إلى حالات من الحرب الأهلية السافرة بين مختلف الطوائف والمذاهب العراقية تتشابه تماما مع أي محاولة لقراءة جادة (أو حتى ترفيهية) لفنجان القهوة!!! التي تعد قراءة شعوذة أخيرة ولربما أولية يلجأ إليها كل ضعيف أو سقيم أو يائس لمعرفة ما يمكن أن يحدث له في مستقبل حياته.
ويمكن القول أيضا إن محاولة أخرى لقراءة أحداث العراق لمعرفة ما يمكن أن تصل إليه الأمور أو تتبلور حوله الأحداث تشبه تماما من يحاول قراءة حركة وتطورات ظهور الكوارث الطبيعية كالأعاصير والزلازل وتوقع وقوعها، فيأخذ بها من يحاول توقع حدوثها على حين غرة لكون معرفتها ضرباً من ضروب المحال.
بيد أن أياً من محاولاتي القراءة تلك مهما كانت جديتها ومهما حرصت على الدقة والتصويب تعد بدورها ضرباً من ضروب القراءة العمياء في وقائع حقائق داكنة تختلط في متون واقع غامض يصعب إن لم يكن يستحيل رؤية ماهيته بوضوح ناهيك عن توقع مساره أو حركته القادمة بدقة.
ومع هذا لا بد أن نلجأ إلى شكل ما من أشكال التحليل بالتدليل، أو محاولة التخمين بالتصور والتوقع، أو لوسيلة التكهن السياسي، أياً منها وفقاً لسلوكيات الماضي العراقية وإسقاطات حقائق الحاضر في العراق، وعلى فرضية أن يعيد التاريخ العراقي نفسه مرة أخرى خصوصاً في مواقع معينة من العراق الذي يعد مرتعاً خصباً من مراتع صراع الحضارات والثقافات والمرجعيات والطوائف والمذاهب الإنسانية.
ملخص بداية القول ان الذي حدث في العراق لم يكن متوقعاً بالعقول السياسية أو العسكرية الغربية، وإن كان ما حدث ويحدث في العراق شبه معروف أو شبه مؤكد إن لم يكن حتمياً بالعقول السياسية العربية تحديدا، أي وبكل بساطة لأن العراق كما سبق أن أشرت في مقالات عدة في السنوات الثلاث السابقة واقع تحت عدد كبير من اللعنات : ما بين لعنة التاريخ ولعنة الجغرافيا، وما بين لعنات الطائفية والمذهبية، وما بين لعنات الأطماع والمصالح الخارجية.
جميع تلك اللعنات التاريخية والواقعية والجغرافية حدت بالقائد العربي العسكري المعروف (الحجاج بن يوسف الثقفي) قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمن إلى إطلاق مقولته الشهيرة (يا أهل العراق.. يا أهل الشقاق والنفاق.. إني لأرى رؤوساً قد أينعت.. وحان قطافها.. وإني لصاحبها) ومنذ ذلك التاريخ لم يحكم العراق إلا بقوة الحديد والنار وبآلية القبضة الحديدية، وبأساليب الجور والتعسف والقمع.
بيد أن قراءة متأنية لكشف الأرباح والخسائر باستطلاع وتقييم الماضي العراقي من جوانبه المختلفة قد تدل وقد لا تدل، وقد تكشف جزءاً من حالة الغموض العراقي ولكن حتماً ليس الغموض كله.
كما ويمكن أن تنير جزءاً من المسار الصحيح إلى طريق العراق ولكن حتماً ليس كل المسار الأفضل ولا الأمثل بل ولا حتى يمكن أن تستدل على الطريق الأفضل والأمثل. فجميع المسارات العراقية الصحيحة والطرق الأفضل والأمثل والحالات العراقية الأقوم لحل معضلة العراق تعد حقائق معدومة من الواقع السياسي العراقي الذي يرتكز على فسيفساء متناقضة من الواقع الاجتماعي والديني والمذهبي والطائفي.
لعل السبب وجود وبقاء واستمرار ثلة من الحقائق التي يرفض العراقيون تعلمها أو الاتعاظ بها أو حتى وعي مخاطرها، فالعراقيون على ما يبدو حتى الآن لم يتعلموا الدرس جيدا، ولم يتعظوا بحقائق التاريخ، ولم يعوا حقائق المخاطر المحيقة بهم سواء من داخلهم أو من الخارج المحيط بهم. والعراقيون ما زالوا يعيشون في خلافات وصراعات الماضي غير عابئين بما أفرزته تلك على ماضيهم وحاضرهم من مخاطر جسيمة قاتلة.. والعراقيون ما زالوا يؤمنون بثقافة البياض والسواد ولا يمكن أن يروا الواقع بألوانه وأطيافه وأشكاله كافة.
استعراض بسيط وسريع لكشف الأرباح والخسائر العراقية سواء كانت إيجابية أو سلبية من الممكن أن توضح لنا شيئاً من واقع الحاضر، وربما شيء آخر من واقع المستقبل يؤكد أن العراق ماض بسرعة في طريق الانحلال والتفكك والانقسام بعد أن انتصرت عقليات الماضي المتشددة على عقلية الحاضر، وبعد أن أوقع منطق المذهبية والطائفية شر هزيمة بمنطق الوطنية العراقية والمواطنة العراقية.
وفيما لو تم تطبيق واسطة عملية بسيطة من القياس الكمي الفرضي الذي قد يستشرف بعضاً من جزئيات المستقبل العراقي، ولكن ليس كل الصورة بوقائعها وحقائقها، تؤكد بدورها أن فسيفساء الأجزاء العراقية ما زالت ترتهن لتحريكات الكل الخارجي.
الحقيقة الأخيرة التي تقول إنه من الممكن الدخول في جدليات التوقعات الافتراضية المبنية على ما سبق وإن حدث لمعرفة ما قد يحدث أو ما قد يأتي، تؤكد أن القادم أخطر من الذي مضى لكون القادم يستمد قوته من الماضي ويجتر على قتاته.
|