شهر ربيع الأول له منزلة خاصة عند كل مسلم ففي هذا الشهر الكريم ولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيه هاجر مع خليله الصديق إلى المدينة المنورة وفيه أيضاً اختاره الله تعالى ليلحق إلى جواره في السماوات العُلَى، وقد وقعت أحداث جليلة قبل وأثناء مولده فاجأت العالم، واهتزت لها الدنيا، وكانت نذيراً بأن ميلاداً جديداً للبشرية سيكون.. وأن خاتم الرسل سيُولد.
لقد اصطفى اللهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - واختاره ليكون مرشداً ومنقذاً للعالمين.. لهذا فقد راحت الآيات تتوالى على مكة عام مولده هاتفةً به ومشيرةً إليه.
ويظهر هذا واضحاً فيما صاحب مولده الشريف من إرهاصات ومعجزات وقف الناس أمامها حيارى، لا يدرون أنها تشير إلى أن هناك ميلاداً جديداً للبشرية سيهتز له الكون، وسيصاحبه نزول آخر وحي وآخر رسالة من السماء إلى الأرض.
وهذه الأحداث كلها كانت تؤكد أن هذه النفس ليست كغيرها من النفوس، وأنه لا بد أن يكون لها شأن عظيم، وأن السماء لم تفعل ما فعلت إلا لأمر جليل قضاه الله، وأنه عما قليل سوف تسفر عنه الدنيا وتجلي أنباءه الأيام، وزاد هذا الخاطر إلحاحاً على نفوس القوم ومشاعرهم ما تحدثت به السيدة آمنة بنت وهب إلى أقاربها في شأن حملها، والرؤى والهواتف التي توقظ جفونها وتؤرق لياليها.. فهي لا تعاني في حملها هذا نصباً ولا تعباً.. إنها ترى الأضواء في منامها تضيء لها قصور بصرى بالشام، إنها تسمع مَنْ يناديها معوذاً جنينها بالله الواحد من كل حاقد وحاسد، ويأمرها أن أذن الله لها بولادته أن تسميه محمداً، وأغرب من هذا كله هذه السلسلة الذهبية التي تتدلى حتى تصل بينها وبين السماء، وينطلق منها شعاعان أحدهما يضرب إلى أقصى الشرق والآخر يضرب إلى أقصى الغرب.
حتى إذا كان يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل، جاءها المخاض وحضرت القابلة - وكانت أم عبدالرحمن بن عوف - وهز القوم ما رأت وما سمعت.. أنها ترى الرائحين والغادين في الأسواق، حتى لتكاد تعرف وجوههم وتميزهم بسيماهم، وليس هذا فحسب.. ولكنها ترى النجوم وقد دنا بعضها من بعض، حتى أنها لتخشى من قربها أنْ تسقط عليها.. وينزل خير البشر إلى الدنيا أدعج أكحل مختوناً، يرفع سبابته إلى السماء، ويرنو بوجهه الشريف إلى الأفق.
وتزف البشرى إلى جده عبدالمطلب فتنبع الفرحة من أساريره، ويتفجر الرضا من نواصيه، ويحمله إلى الكعبة ويسميه محمداً، ويقول في تبريره لهذه التسمية - ولم يكن قد تسمَّى بها من العرب غير القليل - (والله إني لأرجو أنْ يُحْمَدَ في الأرض وفي السماء). ومن البشارات التي واكبت مولده الشريف ما روته السيدة عائشة - رضي الله عنها - من أنه كان بمكة، فجاء يهودي، فلما كانت الليلة التي وُلِدَ فيها المصطفى قال: يا معشر قريش هل وُلِدَ فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، فقال اليهودي: وُلِدَ الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخرجي لنا ابنك، فأخرجته، وكشفوا عن ظهره فرأى اليهودي تلك الشامة فوقع مغشياً عليه، فلما أفاق قالوا: مالك ويلك.
قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل.
وهذه العلامة التي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم هي خاتم النبوة.. وروى البخاري أن هذا الخاتم كان كزر الحجلة، وأنه كانت تفوح منه رائحة المسك علامةً على نبوته صلى الله عليه وسلم.
ومن الأحداث العظام التي وقعت يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ارتجاج إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وكانت اثنتين وعشرين، فَعَظُمَ ذلك على أهل مملكته، كما جفَّت بحيرة (ساوة) بالقرب من بيت المقدس، وقد كانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض حتى بُني في موضعها مدينة ساوة الباقية إلى اليوم.
وانقطع وادي السماوة أيضاً في تلك الليلة، وهو موضوع بين الكوفة والشام. ولم يجرِ الماء في تلك الليلة في بحيرة طبرية بالشام، كما خمدت نيران المجوس في ليلة مولده الشريف، مع أنها لم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
ويستخلص المحللون لسيرة المصطفى من هذه الأحداث أنها كانت نذيراً بأن تاريخ البشرية أصبح على أعتاب مرحلة جديدة، وأن نوراً أهل على الدنيا سيقضي على معاقل الشرك والوثنية فيها، سواء في جزيرة العرب أو في بلاد الشرك بفارس والشام. فديتك نفسي وأهلي وولدي يا حبيبي يا رسول الله ويا شفيعنا يوم الموقف العظيم.
|