مقال مختصر حمل بين طياته معاني كثيرة عميقة، وكتب بأسلوب جميل فاح منه عطر الفضيلة، وتزي بثياب الصدق، وسطع فيه الحق بهياً، سطرته أنامل أخت فاضلة وهبها الله علمية قوية وملكة أدبية أضافت إلى ذلك ضميراً حياً وقلباً كبيراً ونفساً طيبة، إنها الأخت عنود الودعاني التي أمتعتنا عبر هذه الصفحة الغالية بحروف اعتذار للشيخ عبد الرحمن بن صالح الدغيشم، وذلك يوم الخميس 23-2-1427هـ معطية بهذا الاعتذار الراقي والحروف الصادقة درساً غالياً من دروس الحياة لكل مخطئ، وتثبت بالفعل لا بالقول أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأن الاعتذار لا يقلل من مكانة صاحبه أو يخدش كرامته، بالعكس يزيده رفعة ويظفر بمحبة الناس وتقديرهم ويكسب دعواتهم المباركات، وجميل قول الشاعر حين قال:
رُبَّ ذنب محوته باعتذاري وحملت الورى على إكباري وإذا قيست الفضائل فاقت كرم العفو جرأة الإقرار |
وإذا اعتذر المخطئ فحقه أن يقبل اعتذاره ويصفح عن زلله؛ فالله جل شأنه يقول في محكم التنزيل: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال علي رضي الله عنه: أعقل الناس أعذرهم للناس. وقال الأحنف بن قيس: اقبلوا عذر مَن اعتذر إليكم. وقال الشافعي:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا |
فقبول الاعتذار يحمل المخطئ على عدم تكرار الخطأ، ويكسب المودة، ويقوي رابطة الأخوة والصداقة التي نحن في حاجة ماسة إليها في ظل المتغيرات الحياتية التي نعيشها الآن؛ فالنفوس ضاقت، والقلوب تغيرت، والعلاقات وهنت، بل تقطعت حبال الوصل إلا عند من رحم الله. وكاتبتنا القديرة عندما اعتذرت وعلى رؤوس الملأ وعبر وسيلة إعلامية مؤثرة فإن ذلك يحسب لها، وأجزم أن شيخنا عبد الرحمن الدغيشم سيقبل اعتذارها لما أعرفه عنه من صدق الديانة وكرم الخلق وحب الخير، وكأني به يتمثل قول الباري سبحانه: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}وكذلك قول الشاعر الحكيم:
إذا اعتذر الصديق إليك يوماً من التقصير عذر أخٍ مقرِّ فصنه عن جفائك واعفُ عنه فإن الصفح شيمة كل حرِّ |
أخي القارئ: درس علَّمتناه أختنا الفاضلة (عنود) تشكر عليه جزيل الشكر وأوفره، وليتنا نستفيد منه ونقتدي بها؛ حيث أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أثر الدين والعلم على سلوك المرء، سواء كان رجلاً أو امرأة، ولا نعجب من صنيع أختنا إذا علمنا أنها تربت في بلد العقيدة ومئرز الإيمان، وترعرعت في بيئة صالحة، مكرراً شكري لها ومثنياً بالشكر العاطر لهذه الجريدة الغراء التي أتاحت الفرصة لهذه الأطروحات الهادفة والمناقشات المثمرة ممثلة بصفحة العزيزة ومشرفها المتألق عبد الله الكثيري وفقه الله.. فمزيداً من النجاحات ومزيداً من الإبداعات.. ولمن أعطى هذه السطور جزءاً غالياً من وقته أعذب تحية وأوفى ثناء.
عبد الله بن سعد الغانم تمير - ص. ب 42 |