التّكبر واحد من كبائر الذنوب التي قال الله فيها: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} (النساء 31)، وقد عدّه الذهبي من أعظمها، والكبر التعاظم في النفس، والعجب بها، وقد فسّره العلماء: غمط الحقّ وظلم الناس، وهو أنواع عديدة: منها ما يتعلق بالفرد من أبناء المجتمع سواء كان ذكراً أو أنثى، ومنها مايكون في الجماعة على جماعة أخرى، ومنها ما يكون تعاظماً وتعالياً في الأمم..
وجاء في ذمّه وعقاب المعجب بنفسه المُتعالي على الآخر حديث رواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله سبحانه الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار).. وقد يكون الله قد وهب إنساناً جمالاً ومالاً، لكنه تواضع لله، ولم يتعال على غيره، فلا يكون بهذا متكبراً، كما جاء في حديث ابن مسعود: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، فأجابه رسول الله: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطرُ الحقّ، وغَمْطُ النّاس).
وبَطَر الحق: إنكاره وجحدانه، كما يأتي في بعض المجتمعات، حيث يتعالى الأقوياء: ثراء أو مكانة أو مركزاً، عن إعطاء الناس حقوقهم، والعاملين أجورهم، لأنه ذو جاه، وصاحب الحق لا جاه، فيغمطهم حقوقهم، أي يمنعهم حقهم وجهدهم في العمل الذي أدوه، بغير حقّ، إلا التكبر والتعالي، وقد يردهم رداً قبيحاً، فيجتمع الكبر مع أكل المال الحرام، والحديث جاء فيه:( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه)، فهذه علامة ظاهرة في المتكبر يُعْرف بها.
وقد يكون في عمق الإنسان، ويعبر عنه بجرّ الإزار، من إطالة الثوب، أو العباءة، فقد روى البخاري ومسلم ومالك عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : (لا ينظر الله يوم القيامة، إلى من جرّ إزاره بطراً)، وكان أبو هريرة يستخلفُ على المدينة فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيشق السوق وهو يقول: جاء الأمير جاء الأمير، ليشعر الناس بالتواضع، وعدم الكبرعندما تولى الإمارة، والخلفاء الراشدين وغيرهم ضربوا النموذج في التواضع.
وعندما قال أبو بكر يا رسول الله، إن إزاري يرتخي؟ فقال: لست ممن يجرّه خيلاء، ولا بطراً، لأن إزاره عليه فارتخى، مما يدُل على أن الكبر موطنه القلْب والعقيدة.. فإذن رأينا شباباً يضايقون الناس بسياراتهم تخبطا وتفحيطاً، وإزعاجاً وإيذاء للناس، ونُهوا ولم ينتهوا فهم في خطر إثم التكبر، وإذا رأيت غنياً، أو ذا مركز اجتماعي، أو منصباً إدارياً في شركة أو دائرة، يتعالى على الناس، ويحتقر الضعفاء والدهماء، ويهضمهم حقوقهم، ويمنعهم من مقابلته، ولا يستمع شكاواهم، فإنه يخشى عليه أن يكون من المتكبرين الذين يعتبرون العمل ملكاً لهم، ويُغلقون أبوابهم عن أصحاب الحاجات الذين يترددون، وآلامهم في حناجرهم، لا يجدون من يسمع شكواهم، أو يستجيب لما يقولون، ويظهر أثر الكبر بالكلام، فكما كان الكبر موطنه القلب فقد يتعاظم في نفسه، حتى لو كان فقيراً، ومن هنا جاء الزجر، والوعيد الشديد للعائل المتكبر، والعائل هو الفقير، الذي يتكبر على الآخرين، دون أن يكون من دواعي العظمة ما يدفعه إلى ذلك، من مال أو مركز أو جاه يقول سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (العلق 6-7)، فالمال يدفع بعض النفوس الضعيفة إلى التكبر.
والجزاء لهؤلاء قد يكون في الدنيا، لعله يفتتح لهم باب التوبة، فيجلسون معه، ليتطهروا في الدنيا قبل عقاب الآخرة.
من فقر أومرض، أو سلب النعمة التي تعاظم من أجلها، فيأتي من العبر ما يحرك الضمائر، فقد روي: أن رجلا كان يسعى بين الصفا والمروة، راكباً فرساً، وبين يديه العبيد والغلمان، يوسعون له الطريق ضرباً بالسياط.
فأثار ذلك غضب الناس، وحملقوا في وجهه، وكان فارع الطول، واسع العينين.
وبعد سنين رآه أحد الحجاج الذين زاملوه، وعرفوا مكانته السابقة، وتعاليه على الناس، فإذا هو قد بسط يديه على جسر دجلة ببغداد، يستجدي من شدّة فقره، بعد أن ذهب عنه الجاه والمال، فقال له: ألست الرجل الذي كنت تحج في كل سنة، وقد رأيتك في سنة كذا، وبين يديك العبيد والخدم يوسعّون لك الطريق ضرباً في ظهور الناس، وهم في عبادة غضبانون منك. قال: بلى.
قال: فما الذي صيرك إلى ما أرى من الفقر والذّل، بعد ذهاب المال والعزّ، قال: لأنني تكبّرت في مكان يتواضع فيه العظماء، فأذلني الله في مكان يتعالى فيه الأذلاء. وهذه حكاية لها نظائر كثيرة في تراث العرب، وقائع العِبر عندهم تدعو كل من حاولت نفسه الأمارة بالسوء جذبه إلى مسار الافتخار والتعالي إلى أن يكبح جماح هذه النفس، كما كان سلفنا يؤدبون نفوسهم، في الدنيا خوفاً من ذلتها يوم المحشر، ويوطنونها على التواضع، بالسعي في مصالح الفقراء، والأرامل واليتامى، حتى تتأدب وتبتعد عن المسارب التي تحرف النفوس إلى التكبر، أو مجالسة المتكبرين، حتى لا تتأثر بهم، سواء في هذا التأديب: بالمساكن أو المراكب، أو المآكل والمشارب، أو بالمجالسة والمخالطة وغير ذلك.
وعن خراب الديار، وهلاك الأمم بين الله سبحانه في القرآن، نماذج من أمم كانت طاغية متكبرة، فجاءهم عقاب الله ليلاً أو نهاراً ليكونوا عبرة لمن اعتبر، كما في قصة فرعون الذي أهلكه الله وقومه بالغرق، وقارون خسف الله به الأرض وبماله، وقوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، وغيرهم كثير: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود 102) وقد كان لِمنْ قبلنا حضارات وبطش، وعمروا الأرض بما أعطاهم الله من علم، أكثر مما عمرها جبابرة اليوم الذين يريدون فرض سلطانهم على الآخرين، وسلبهم ما وهبهم الله، بقوة السلاح والأدوات المدمرة، ظلماً وعُدْوانا، متجاهلين قوة الله وعظمته، والحكمة تقول: إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك بل ضاربين بذلك عرض الحائط وقبلهم من الأمم: قوم هود قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} فصلت (15) وكان الجواب من الله سبحانه بقوله الكريم {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} (15) سورة فصلت . فقال لهم نبيهم هود مخوفاً ومنذراً، لتكبرهم:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ( سورة الشعراء الآيات 128 - 135).
وقد أطال سيد قطب في الظلال في تفسيره، نجتزئ منه: والظاهر أنهم يبنون فوق المرتفعات بنياناً يبدو للناظر من بُعدٍ كأنه علامة، وأن القصد من ذلك التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن ثمَّ سماه الله عبثا.. ويبدو أن عاداً قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغاً يذكر، حتى لتتخذ المصانع، لنحت الجبال، وبناء القصور، ومتوقعين أن حضارتهم وقوتهم كافية لمنعهم من الموت والذل فهم عتاة يتكبرون حين يبطشون، بقسوة وظلم. (الظلال 19 ص102 - 104).
إنها سنة الله في خلقه، يمهل ولا يهمل، إذ أرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، وهذا عقاب المتكبر المتعالي بعظمته، ووعد الله حق، وأمره سبحانه نافذ، ولا يظلم ربك أحدا، فالله سبحانه يرسل العبر فهلْ من مدّكر.
حسن الختام
قال ابن عربي في كتابه محاضرة الأبرار قال أبو الحسن بن شمعون الواعظ: وصِف لي رجل من العباد فسرت إليه، فرأيت من فضله ما ملأ عيني، وسمعي وقلبي، فبت متعجبا من أمره، فرأيت في النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يحاسبون، فيؤمر بقوم إلى الجنة، وبقوم إلى النار.
فنُودي بصاحبي الشيخ العابد: فأُمِر به إلى النار، فرأيت ذلك ثلاث ليال متوالية، فعرفت الشيخ بذلك فقلت له: خفف يرحمك الله من العبادة وتعبك، وأقصر من تعبدك، فنظر إلي وقال لي مستغرباً: يا ابن شمعون هذا وأنت واعظاً للعارفين، تأمرني أن أخفف من خدمة مولاي، لما رأيت أني من أهل النار.
إنما أنا عبد من جملة عبيده، إن شاء نعمنى، وإن شاء عذبني، أمرني فامتثلت، ونهاني فانتهيت، فأمري بعد ذلك مصروف إليه.
فانصرفت من عقده، وقد عظم تعجبي من أمره، فلما كان الليل، رأيت المنام بعينه، فنُودي بالشيخ، وبين عينيه مكتوب بالنور: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد 39)، ثم أُمِرَ به إلى الجنة فبكرت إلى الشيخ مبشراً له، فقال: با ابن شمعون، إنما أديت بما رأيت، لتعلم أن لله عبيداً، لا يقطعهم عن خدمته سبحانه: عذاب ولا نعيم.
وقال: روينا من حديث الشعبي، قال: قالت أمّ البنين، ابنة عبدالعزيز، وهي أخت عمر بن عبدالعزيز أمير المؤمنين- رضي الله عنه-، وكانت تحت الوليد بن عبدالملك: لو كان البخل قميصاً ما لبسته، أو طريقاً ما سلكته، وكانت تُعتِقُ في كلّ يوم رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله، وكانت تقول: البخل كلّ البخل، من بخل على نفسه بالجنّة (2 - 284).
|