بتحديد السعر للسلع من خلال التوازن بين العرض والطلب مع ثبات العوامل الأخرى وهو قانون ظل سائدا منذ بدء التجارة بين بني البشر، وثبات العوامل الأخرى أمر ليس بالإمكان إغفاله أو تهميشه عند البحث عن نقطة التوازن السعرية المطلوبة، واليوم يعيش سوق النفط العالمي والسوق السعودي للأسهم تأثيرا غير يسير من عوامل أخرى غير العرض والطلب، فأسواق النفط العالمية تشهد ارتفاعا سعريا لا يعكس حقيقة التوازن بين العرض والطلب، وهي عوامل يمكن للإنسان تلافيها لو أنه جنح إلى السلم والهدوء والتعقل والعدل والإنصاف، فلا أحد يشك أن الأوضاع السياسية العالمية قد دفعت بالأسعار النفطية إلى الأعلى حتى قارب سعر النفط 75 دولارا للبرميل، فالبرنامج النووي الإيراني وما صاحبه من تداعيات على الساحة العالمية أحد تلك العوامل والاضطرابات المستمرة في منابع النفط النيجيرية تسدل بظلالها بين الفينة والأخرى على السوق، كما أن المشكلة التشادية مع البنك الدولي والتهديد بإيقاف تدفق نفطها المحدود غير أنه أصبح ذا بال في ظل الأوضاع الحالية، كل هذه العوامل جعلت المضاربين في الأسواق يعكسون الحالة النفسية للمستثمرين ليدفعوا بالأسعار إلى الأعلى حتى دون رغبة الدول المنتجة التي يصب جزء من الزيادة السعرية في خزينتها؛ ولذا لم يعد سعر برميل النفط حاليا يعكس التوازن بين العرض والطلب.
والعرض من النفط في العالم سيظل متاحاً بكمية كافية لمدة طويلة، وستظل دول الخليج الرافد الأكبر للعرض النفطي في السوق العالمي وزيادة العرض بما يلبي الزيادة في الطلب، والطلب العالمي على النفط سيكون مصدره الصين والهند في الأساس مع تنامي الطلب في أوروبا وأمريكا الشمالية والدول الأخرى ذات النمو القوي، فهل يتكرم الساسة في العالم بترك أسعار النفط تتحدد من خلال العرض والطلب من خلال تلافي خلق بؤر توتر عالمي.
سوق الأسهم السعودي سوق ليس حديثا جدا ولم يكن ناشئاً غير أن عددا كبيرا من المواطنين في خلال فترة وجيزة انضموا بتسابق محموم إلى نادي سوق الأسهم دون أن يعرفوا عنه الكثير، فارتفع أعضاؤه من 250 ألف عضو إلى ما يزيد على 6 ملايين عضو في فترة وجيزة، كل عضو جاء في سباق محموم، وكأن أمرا ما قد حدث فجأة، وفي ذهنه جني ما يمكن جنيه من سوق قديم اكتشف حديثا من قبل معظم رواده، فكان ما كان وارتفعت الأسعار بفضل الدفع النفسي وليس العيار العالمي، وجنى القليل من المواطنين منه ما جنى وخرج ولم يعد، وأخذ المضاربون عمولتهم من المواطنين التي بلغت في فترة معينة أكثر من 30%، والمواطن الذي أودع ماله لدى المضاربين كان يعتقد أنه يسير به في اتجاه واحد وحسب وهو الربح ثم الربح ثم الربح، وأنه سيكون قادرا على حمايته من الخسارة عند تغير مسيرة السوق؛ ولهذا ضحى بأكثر من 30% من الأرباح التي يمكنه وبكل بساطة أن يجنيها لو أنه اشترى في سوق كانت تدفعه إلى الأمام عوامل نفسية وليست حقيقة، ثم خرج في الوقت المناسب لو أراد، ذلك الخروج الذي يمكن للمضارب فعله لو كان يستحق ما يأخذه.
سوق الأسهم المحلية تحددها عوامل خارجية غير العرض والطلب وغير مقومات الشركات الأساسية، فالعامل النفسي له الأثر الفاعل في الدفع بالسوق إلى الأمام أو الخلف، وعلى المستثمر أن يقرأ نفسية المواطنين بشكل عام حتى يمكنه اتخاذ قراره الآني وليس الاستثماري طويل المدى، وضحكت كثيراً عندما سمعت أحد المحللين من أساتذة الجامعة يذكر أنه يعرف اتجاه السوق المستقبلي من خلال الإشاعة التي يتداولها الناس، وإن كان الأمر كذلك فهو أمر غير مقبول علميا ويحتاج إلى وجهة نظر أخرى.
|