والآن دعونا نسأل أنفسنا: هل تفيد وتجدي هذه الاحتفالات التي نسميها أسبوع المرور وبالشكل السنوي المتكرر الذي لا يتعدى بعض الاحتفالات التي تتخللها الخطب المكررة كل عام، وشيء من الإعلانات في الصحف، وبعض المقالات والمقابلات الإعلامية التي تعيد وتكرر القول نفسه، ثم بعض الملصقات والمطبقات، لينفض سامرنا على موعد اللقاء بعد عام. هذا كل ما نفعله.
طوفان من المركبات
ولكن دعنا نعود إلى ما وقفنا عنده في المقالة السابقة من حيث تشخيص ظاهرة الكوارث المرورية عندنا، لأن تقصي جذور أسباب هذه الظاهرة كفيل بأن يمهد الطريق أمامنا لمعالجتها، واحدة من هذه الأسباب الجذرية التي لا نتطرق إليها، هي الزحام الشديد في حركة السير التي تشهدها شوارعنا وطرقنا السريعة، وقد أبدى عدد من البريطانيين الذين كانوا مع الوفد المرافق لولي العهد البريطاني تشارلز خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض عن دهشتهم من هذا الزحام متذمرين من الانتظار في طوابير طويلة قبل الوصول إلى مواقع المناسبات التي قصدوها خلال الزيارة، وقد راعهم - كما عبر بعضهم - مشهد أفواج السيارات التي تحجب الأفق في طريق الملك فهد.
وحسب ما جاء في التقرير الخبري بصحيفة (الحياة (فإن ما شد انتباه الضيوف أيضا أن قلة المشاة على جانبي الطريق بدت لافتة للنظر إلى درجة إلحاح بعضهم في طلب إحصاء دقيق عن عدد السكان في العاصمة مقارنة بعدد السيارات والسائقين، وما يثير الضحك أن بعضهم أوصى ببناء شوارع من دورين إذا ما سمح للمرأة بقيادة السيارة.
نعم هذا واقع كنا نقر ونعترف به إذ إن مقارنة عدد سكان المملكة بعدد السيارات وسائقيها يجعلنا نغامر بالقول: إن المتوسط يصل إلى سيارة ونصف لكل شخص، إن لم يكن أكثر، وهذا يعني خللاً، سواءً على المستوى الاقتصادي لأنه يؤثر في حجم ومستوى الميزان التجاري الخارجي بين المملكة والمصادر المنتجة لهذه السلعة، لأنه يعطي مؤشرات غير حقيقية لهذا الميزان، كما أنه يتسبب في آثار بيئية ضارة نظراً لكثافة ثاني أوكسيد الكربون الذي تنشره عوادم هذه السيارات.
وهذا غير الآثار المرورية، وبهذا المعدل من عدد المركبات فإن مدننا ستكون الأكثر تلوثاً بيئياً، هذا إذا لم تكن كذلك الآن فعلاً.
معالجات تقنية للأزمة
حسناً ماذا فعلنا لمعالجة الآثار المرورية السالبة لهذه الكثافة من المركبات؟.
الجواب الوحيد كان هو تكثيف عدد الإشارات المرورية وإلى الآن أجد نفسي عاجزاً عن فهم الحكمة في هذا. لماذا؟.
لأن قائد أي مركبة، حتى ولو كان لا يتمتع بمعرفة استثنائية يستطيع أن يلمس مدى الهدر الاقتصادي لهذه الإشارات المرورية التي انتشرت في شوارعنا بصورة سرطانية.
بالطبع نحن لا نستطيع أن نمنع من يريد أن يراكم في بيته أكبر عدد من السيارات، فلا الشرع يحول دون ذلك، ولا نظامنا الاقتصادي يفرض مثل هذا الحظر.
إلا أن حكمة علمائنا تستطيع أن تجد لنا مخرجاً لمعالجة هذه الأشكال، أما الإجراءات الاقتصادية والقانونية فمقدور عليها ضمن بنود المصلحة العامة. ونستطيع بهذا الصدد أن نصدر قانوناً يمنع ترحيل الطلاب من وإلى مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم بالسيارات الخاصة، وأن يقتصر ترحيلهم بوسائل النقل الطلابي العامة، هذا إجراء يمكن أن يساعد في ظل ما تشهده شوارعنا من حركات بهلوانية يقوم بها الطلاب أمام المدارس، وأمام حشود من المشجعين من الطلاب، وما يتسبب فيه ذلك من حوادث تهدر فيها أرواح الطلاب والمارة.
نعم ثمة معالجات مرورية أخرى تستطيع أن تساعد في الحد من هذه الكوارث، وهذه المعالجات تتمثل في حزمة معالجات، يمكن أن تدرج في الجانب التقني، إذا كنا نبحث عن إستراتيجية مرورية متكاملة.
ومن هذه المعالجات التقنية: الإكثار من الجسور والإنفاق مقابل تقليل الإشارات المرورية، خاصة في الطرق الرئيسية، وذلك لأن هذه الإشارات كما أشرنا قبل تعتبر واحدة من أكبر مهدرات المرور الاقتصادية.
وأضرب لذلك مثلاً: الوصول من مسكني بحي الرحاب إلى الجامعة حيث أعمل يستغرق أكثر من (45) دقيقة، بمعدل (1350) دقيقة في الشهر، أي (22.5) ساعة شهرياً أي (45) ساعة ذهاباً وإياباً شهرياً. فإذا حرصت على الالتزام بمواعيد المحاضرات فإن هذا يقتضي ساعتين قبل التحرك، وحين أصل إلى موقع العمل فإنني أحتاج إلى ساعة تهيئة.
هذه الثلاث ساعات ونصف مستقطعة يومياً بلا معنى، فلا أنا استفدت منها في الاطلاع على ما يرقي بقدراتي، ولا الطلاب، ولا الأهل والعائلة، إنها باختصار وقت مهدر، كان يمكن أن يوظف في شيء مفيد لي ولمجتمعي وعملي وبعملية حسابية بسيطة يمكنك أن تتوصل إلى الكم المهدر من الزمن في حياة المواطن السعودي والمقيم، ومدى التأثير السلبي لهذا الهدر غيرالمجدي.
ما بين قائلين
نعم ثمة العديد من المعالجات التي يمكنك أن تضيفها إلى هذه الحزمة من البدائل، مثل تعميم توزيع الكاميرات اللاقطة عند إشارات المرور، وتعميم الرادارات في الطرق السريعة وتكثيف الدوريات المرورية والأمنية بها، ليس لضبط مخالفات السرعة بهذه الطرق وحسب، بل ولإعانة ومساعدة من يحتاج للمساعدة فيها، وللإسعاف السريع لمن يحتاجه عند وقوع الحوادث.
ولكن أهم من هذا وذاك تشديد العقوبات القانونية على مرتكبي الحوادث المرورية في حق من يقود المركبة باستهتار ورعونة وطيش أياً كانت سنه وموقع أهله الاجتماعي. ففي القانون الكثير من الثغرات التي يجب العمل على سدها. إذ إن بعض الحوادث المرورية المروعة القاتلة لا يمكن إدراجها تحت بند القتل الخطأ أو غير المتعمد، إذ ثمة مفارقة قانونية هنا لم أستطع أن أجد لها مبرراً، فالإنسان الذي يقتل تحت تأثير الاستفزاز أو الدفاع عن النفس والشرف يقام عليه حد القتل الشرعي، بينما بعيد من هذا الحد الشرعي من يتسبب في إزهاق أكثر من نفس زكية بسبب الطيش والاستهتار، أو تحت تأثير الكحول والمخدرات في الحوادث المرورية، أليس هذا يدعو للعجب فعلاً..؟
الوعي المروري المطلوب
ثمة ما أريد أن أقترحه هنا طالما نحن نتحدث عن ضرورة وضع إستراتيجية مرورية جديدة ومتكاملة. إن التربية المرورية - طالما هي بهذا الخطر - جزء لا يتجزأ من التربية الوطنية.
وعملية الوعي المروري يجب بالتالي أن تبدأ بالمنزل منذ الطفولة، وهي بذلك مسؤولية وطنية تربوية وأخلاقية يقع على الآباء غرسها في أطفالهم منذ نعومة أظفارهم.
ثم تدرج في مناهج الوطنية التي - فيها يبدو لي - عشعشت فوقها العناكب خيوطها، ولم تعد في (الطاري) من أحد، وآلت إلى طيبات الذكر من المناشط والمناهج المدرسية، أقول: إن المسألة تربوية في المقام الأول، لأن الواضح لكل من يعي أن مسألة تجاوز الإشارات المرورية، والتسابق، وما ينشأ عنه من مشاجرات حادة، تصل إلى مرحلة أن يعمى الشاب عن رؤية الخطر مهما استطار شره واستبانت عواقبه، إنما يرجع ذلك كله إلى ربط ذلك بمسألة الفحولة و(المرجلة) فمن يسبقك في الطريق - إذا كنت تسير بسرعة معقولة - فإنه يعتدي على رجولتك، ويحط من قدرك ومكانتك. هذه هي سيكولوجية المتهور في الطرقات.
فبطريقة خاطئة هو يربط شرفه ورجولته بهذا السباق الذي لا داعي له في الأصل، ولعلنا كثيراً ما لاحظنا أن شخصاً ما يقود سيارته بسرعة معقولة، وهو يتحدث في هاتفه، ولكن يجن جنونه ويركبه ألف شيطان إذا ما تجاوزه أحد. مثل هذه الأفكار الشاذة تحتاج إلى ولي أمر في البيت ليعالجها، بل وأن يحول دون ترسخها في ذهن ووجدان ابنه، قبل أن يشتري له سيارة يحقق في الشارع من خلالها رجولته، ويؤكد نفسه بين الغافلين في الطرقات من عباد الله.
(*)أكاديمي كاتب سعودي
|