هذا العام سأثبت لأهلي أنني جدير بالدراسة والتعليم.. هكذا رددها في نفسه وهو داخل فصله الجديد في مدرسته الجديدة التي نقل إليها؛ نظرا لما تتمتع به من إعطاء للدرجات، خاصة أنه مقدم على سنة حاسمة لها الأثر البالغ في تحديد المستقبل.. فضلا عن أنها تتناسب وتخصصه الأدبي..
في الفصل الجديد.. وجوه غريبة.. وسحنات متعددة.. حكايات من الإجازة الصيفية يتبادلها أكثر من ثلاثين طالبا.. أغلبهم قضى إجازته الصيفية خارج البلاد مع أسرته.. فضلا عن أخبار السيارات وآخر المستجدات في الساحة الرياضية!..
لم يصدم (إبراهيم) من هذه الروايات والقصص التي لم يسمع بها ولم تخطر على باله أبدا لولا أن أبناء عمومته حدثوه عن المستوى المادي والاجتماعي الذي يتمتع به طلاب هذه المدرسة..
(إبراهيم) الذي يزعجه اسمه كثيرا والذي لا يتواكب مع الأسماء الحديثة داخل الفصل الجديد.. سرح بخياله بعيدا وشرع يتأمل في واقعه الحزين، يقارن نفسه بزملائه الجدد، يتذكر ذلك (السيكل) الذي اشتراه له أبوه وكيف أنه احتفل بتلك الهدية التي لم تأت إلا بعد عناء من المطالبة والتوسط بأمه!!...
يتواصل (إبراهيم) في سرحانه.. بينما أستاذ الأدب يتوسط قاعة الفصل ليعود الطلاب إلى مقاعدهم وليعود (إبراهيم) إلى قاعة الدرس..
أستاذ الأدب الجديد - بالنسبة لإبراهيم - رجل في منتصف عقده الثالث... قصير القامة.. يرتدي نظارة سميكة..
يقال إنه صاحب منهجية فكرية مؤثرة.. هكذا وصفه أبناء عم (إبراهيم...) ينحنح الأستاذ... ويصمت الفصل إيذانا ببدء الدرس...
ولأنه اليوم الأول في العام الدراسي الجديد فليس ثمة درس محدد... يطلب الأستاذ من طلابه أن يسمعوه صوت الصمت وليشرع هو في تقليب جريدته اليومية التي يحملها.. يكسر (إبراهيم) حاجز الصمت ويسأل الأستاذ عن آخر المستجدات التي تحملها الصحيفة...؟؟.
يطبق الأستاذ جريدته... يعدل وضع نظارته المدلاة على أنفه... يأخذ نفسا عميقا.. يتمعن في وجه (إبراهيم) الشاحب..
يسأله: وهل أنت طالب جديد في هذه المدرسة..؟
إبراهيم: نعم
الأستاذ: وما اسمك؟
إبراهيم: اسمي.. اسمي..
الأستاذ: وهل تتابع الصحف بشكل يومي..؟
إبراهيم: ليس بشكل يومي.. لكنني أقرؤها مع أخي الكبير وأتصفحها بعض الأيام.
الأستاذ: وماذا تقرأ فيها؟
إبراهيم: إنني أتابع المقالات التي يكتبها كُتّاب منطقتنا..
الأستاذ: هاه.. جميل.
يدق الجرس.. ويخرج الأستاذ من الفصل ليترك عشرات الأسئلة الحائرة في ذهن (إبراهيم..) ليعود الصخب إلى الفصل، حيث ما زال هناك الكثير من حكايات الإجازة الصيفية.. وآخر المستجدات المتعلقة بعالم السيارات!...
يتعذر الكثير من المدرسين عن عدم دخول الفصول.. بحجة أنه اليوم الأول من العام الدراسي ولا جدوى أساسا من وجود الطلاب، حيث ما زالت المقررات الدراسية في مخازن الإدارة التعليمية للمنطقة!...
يأمر المدير طلابه بمغادرة المدرسة.. يحمل (إبراهيم) دفتره الكشكول ويغادر.. يقف على ذلك الرصيف المحاذي للمدرسة.. يتأمل وجوه زملائه.. يراقبهم.. يراقب سياراتهم الفارهة!.. يفاجئه نداء أستاذ الأدب من سيارته العتيقة.. يقترب منه.. يسأله عن وجهته...
يجيبه إبراهيم: إنها قريبة من محطة الأحلام البترولية المعروفة..
الأستاذ: إنها على نفس طريق وجهتي..
يصعد (إبراهيم) السيارة.. يتأمل فيها وفي العبثية التي تحتويها.. يشعل الأستاذ سيجارته والصمت يلف أرجاء المقصورة إلا من صوت فيروز الذي يردد معه إبراهيم بصوت خافت:
أسوارة العروس مشغولة بالذهب
وأنت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب...
بينما الأستاذ يسترق بنظارته مشهد الترديد وينفث الدخان من سيجارته...
يقف بسيارته بجوار المحطة... يخرج شريطا للسيدة فيروز... يسلمه بيد إبراهيم... يربت على كتفه... وكله إعجاب بإبراهيم الصغير!!!.
|