في عام 1408هـ، صدر الأمر السامي الكريم المتضمن إعفاء السجين الذي يتمكن من حفظ كتاب الله الكريم عن ظهر قلب إبان فترة سجنه من نصف محكوميته، وكذلك صدر في عام 1411هـ، الأمر السامي القاضي بالموافقة على توزيع حفظ القرآن الكريم على حسب مدة محكومية السجين، بقسمة عدد الأجزاء التي يحفظها السجين على مجموعة عدد أجزاء القرآن الكريم، وضرب الناتج في نصف المحكومية (بالأشهر)، ويشترط لذلك أن لا تقل مدة المحكومية عن ستة أشهر، وأن لا يقل حفظه عن جزءين، ولا ينظر في كسور الجزء، بل يطالب السجين بالجزء كاملاً، وقد كان لهذه المكرمة أثر كبير في تحسين سلوك كثير من السجناء، وتقويم أخلاقهم.
وقد لمس القائمون على السجون مدى التحسن في سلوك المساجين عقب دخولهم في حفظ القرآن الكريم، وحتى عقب خروجهم من السجن، بل إن الإحصائيات المسجلة لمن أتموا حفظ القرآن الكريم تؤكد أنهم أصبحوا أعضاء فاعلين في المجتمع، وتركوا طريق الانحراف والسلوك الذي كانوا عليه من قبل - ولله الحمد- وقد تبدلت أحوالهم، وانخلعوا مما كانوا عليه قبل حفظهم للقرآن الكريم، وهذه السنة الحميدة لهذا البلد المبارك المملكة العربية السعودية أصبح أنموذجاً يحتذى به في عدد من البلدان، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي بعد نجاح هذه التجربة، وقد استوقفتني مقالة في جريدة السياسة الكويتية بقلم محمد بن يوسف المليفي ليوم الأربعاء 22 صفر 1427هـ، بالعدد ذي الرقم (13420) حينما أشاد بنجاح التجربة التي طبقت في الكويت تأسياً بما في بلادنا المملكة العربية السعودية، وكيف تحولت السجون في الكويت إلى خلية نحل مما استدعى طلب القائمين على الإرشاد والتوجيه في السجون زيادة أعداد المصاحف وتسجيلات القرآن الكريم، وأثمر هذا الأمر عن إتمام ثلاثة من المساجين لحفظ كتاب الله واستقامة حالهم وشمولهم بالعفو الأميري في الكويت، ويعلق الكاتب قائلاً: إن التجربة في البداية لم تكن مشجعة ولم يتجاوز الملتحقون بحلقات التحفيظ داخل السجون أصابع اليد الواحدة ولكن ما أن رأى جموع المساجين ثمرة حفظ القرآن الكريم على زملائهم الحفظة حتى انكب السجناء على كتاب الله صباح مساء، بل إن بعض المرشدين يقول: كنا في السابق نحاول يائسين إقناع السجناء بضرورة حفظ كتاب الله وأنه مفتاح الفرج وبوابة الإفراج، لما نعلم من أثر حفظ القرآن الكريم في تغيير الإنسان بالكامل وتأهيله من جديد.
نعم، هذه بلادي وهذه سنتها المباركة الحميدة فامتدت العناية بالقرآن الكريم وتكريم أهله حتى لمن هم في السجون وقامت جمعيات تحفيظ القرآن الكريم مشكورة مأجورة بالاسهام في تفعيل هذا الأمر بندب عدد من المشايخ والمقرئين وتكليفهم للعمل في اللحقات داخل السجون البالغ عددها (277) حلقة قرآنية، ليستفيد منها كل عام مجموعة كبيرة من النزلاء وقد كرم عدد منهم بتخفيف مدة سجنهم، كما تم إنشاء حلقات للقرآن الكريم داخل سجون النساء أيضاً.. وبلغ عدد الدارسين في حلقات السجون وفق إحصائية عام 1425 - 1426هـ (8080) دارساً ودارسة، وبلغ عدد الذين شملتهم المكرمة الملكية (1385) دارساً ودارسة.
وإذا كان الكاتب قد أشار إلى بدء التجربة مؤخراً في الكويت وهي المطبقة في المملكة العربية السعودية من عشرين عاماً، فقد طبقت أيضاً عقب التجربة الناجحة في الإمارات وقطر، وأؤكد على نقطة مهمة يتذرع بها المرجفون عندما يقولون: إن الرغبة في الخروج من السجن يدعو هؤلاء لحفظ كتاب الله ونقول: ربما تكون هذه هي الأسباب ولكن حينما يبدأ النزيل بالحفظ يتغير السلوك حتى وإن كانت النية دنيوية لأن النفوس تتغير وصدق الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}.. وكثيراً ما يبدأ الإنسان عملاً معيناً بلا نية صالحة، حتى إذا دخل فيه جاءت النية الصالحة، وكثيراً ما قرأنا عن علماء قولهم: دخلت هذا العمل بلا نية، ثم جاءت النية بعد، وأياً كان هدف النزيل، فإن العبرة بالأثر الحاصل الذي أثبته الواقع في تغيير سلوك كثير من المسجونين، ولكن البعض - هداهم الله - لديهم موقف شخصي من كل ما له صلة بالدين والتدين.
|