* الجزيرة - خاص:
متى يحفظ أبناؤنا كتاب الله؟! وفي أي سن من سنوات عمرهم يكون الأفضل لهم حفظ القرآن الكريم؟! البعض يرى أنه كلما كان الابن صغيراً في السن كلما كان الحفظ أيسر وأفضل وأقوى، وعندما يبدأ الابن يكبر فإنه ينشغل بأمور كثيرة قد تؤثر على حفظه، وأن حفظ الأبناء لكتاب الله في الصغر بركة لهم وخير، إضافة إلى أنه يقوي لغتهم العربية، وملكة الحفظ لديهم ويكون دافعاً للتفوق الدراسي، بل وفي كل شيء.
وفي هذا التحقيق طرحنا هذا السؤال على اثنين من المحفظين والمربين حول السن المناسبة لحفظ الأبناء لكتاب الله، فلماذا قالا؟!
السن الذهبية
في البداية يقول الدكتور عبد الله بن علي بصفر الأمين العام للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم: من المعلوم أن حفظ القرآن في الصغر أقوى وأثبت من الحفظ في الكبر، فالسن الصغيرة أكثر دقة، وأسرع تذكراً، وأدوم وقتاً، يروى عن لقمان الحكيم، رحمه الله، أنه قال: (يا بني ابتغ العلم صغيراً، فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير)، وكان الحسن بن علي، رحمه الله، يقول: (تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قومٍ تكونوا كبارهم غداً، فمن لم يحفظ فليكتب) وحفظ القرآن له فترة زمنية ذهبية وهي غالباً ما تكون في فترة الطفولة والشباب، فالإنسان في هذه الفترة تكون ذاكرته جيدة جداً وقابلة للحفظ، ويسمون هذه الفترة بسنوات الحفظ الذهبية، وبعد سن الثالثة والعشرين يبدأ الخط التنازلي للحفظ، ويبدأ الخط التصاعدي للفهم والاستيعاب، فعلى كل من يريد حفظ القرآن الكريم أن يستغل السنوات العمرية التي حددها أصحاب الخبرة والتجارب في هذا المجال، فمن المتعارف عليه أن حفظ القرآن في هذه السن يكون بسرعة شديدة، والنسيان يكون بطيئاً جداً، ولذلك قيل (الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، والحفظ في الكبر على الماء) فعلينا جميعاً أن نغتنم سنوات الحفظ الذهبية لأبنائنا وبناتنا، إن من يتقن القرآن وهو صغير يختلط القرآن بدمه ولحمه نسبة لأنه تلقاه في المدة الأولى من عمره التي يكون فيها العقل في طور النمو متزامناً مع نمو الجسد؛ وبالتالي يتولى الحفظ في هذه المرحلة القلب والعقل معاً، وهذا مما يجعله يختلط بدمه ولحمه، كما ورد في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: (من تعلم القرآن وهو فتيُّ السن خلطه الله بلحمه ودمه) رواه البخاري في التاريخ الكبير، ويستطيع الطفل من سن الخامسة أن يبدأ في حفظ القرآن حسب البيئة التي ينشأ فيها، بحيث يكون معدل حفظه في السنة الواحدة ثلاثة أجزاء، ومع زيادة الاجتهاد والمتابعة يرتفع حفظه القرآن حتى يصل إلى ثمانية أجزاء سنوياً، والمعلوم أن الحفظ في الصغر يكون دائماً أقوى وأثبت من فترة الكبر، وحفظ القرآن لا يكون إلا بالعناية الشديدة من جانب طالب القرآن والمداومة على دراسة وقراءة ما حفظه.
قبل سن العاشرة
ويشير الدكتور محمد بن سيدي بن محمد الأمين الأستاذ بكلية القرآن الكريم ورئيس قسم القراءات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى أن السلف الصالح لهذه الأمة من أشد الناس حرصاً واهتماماً بكتاب الله تعلماً وتعليماً بعد سماعهم الأحاديث الدالة على الخيرية التي ينالها معلم ومتعلم القرآن، كما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - في قوله (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فكانوا لا يقدمون على تعلم القرآن شيئاً من العلوم، فما أن يعقل الطفل ببلوغ سن الخامسة من عمره حتى يشرع في تعلمه حروف أبي جاد ثم قصار السور من المفصل ويلقن ذلك تلقيناً خمس آيات أو عشر آيات، ثم يتجرد معه إلى أكثر من ذلك حتى يأتي على كتاب الله كله حفظاً وتجويداً على شيوخ مهرة ضابطين.
روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمرو بن شعيب قال: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية سبعاً: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } (111) سورة الإسراء، فالشروع في تعليم الصبيان القرآن في سن الخامسة أو بعدها بقليل فيه فوائد كثيرة منها أن الصبي إذا بلغ السن التي يؤمر فيها بالصلاة يكون قد حفظ من كتاب الله ما يصلي به من قصار السور.
ومنها أن يكون قد انطلق لسانه وحصلت له دربة ومران على القراءة والكتابة في سن مبكرة، ومنها رسوخ ما حفظه في الصغر وعدم نسيانه فقد قيل إن الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، ومنها إتمامه لكتاب الله في سن لا تصرفه فيها الصوارف من كسب معاش أو تحمل أعباء حياة فلا زال ذكاؤه في نماء ذهنه في صفاء وقريحته في عطاء.
ولهذا نجد كثيراً ممن اشتغل بحفظ القرآن في سن مبكرة أتم حفظه في سن العاشرة بل وقبلها، قال لقمان لابنه: يا بني ابتغ العلم صغيراً فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير، يا بني إن الموعظة تشق على السفيه كما يشق الوعر الصعود على الشيخ الكبير.
قال ابن عباس، رضي الله عنهما: (توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم)، قال ابن كثير: فيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا وهو ظاهر، بل قد يكون مستحباً، أو واجباً لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيراً وأشد علوقاً بخاطره وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود من حال الناس.
ولهذا أوصي كل حريص على تعليم أبنائه القرآن أن يبدأ في تعليمهم كتاب الله من سن الخامسة أو بعدها بقليل ليجني ثمار حفظهم لكتاب الله في سن مبكرة.
|