ولازال الحديث مستمرا في رحلتنا مع اليقين عن الأخبار الغيبية التي أخبر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عهده، قبل ان تقع أو في أثناء وقوعها مع بعد الزمان والمكان.. ومن ذلك:
- ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا الى الوادي، ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم.
- وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كلا: إني رأيته في النار؛ في بردة غلها او عباءة.
- وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.
فهذه الأحاديث فيها إخبار عن أمور لا يمكن العمل بها إلا بالوحي من عالم الغيب والشهادة.
- وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقا لأمية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان: من هذا الذي معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة وزعمتم انكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لو لا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول إنهم قاتلوك. قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، فلما رجع أمية الى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي, فقلت له بمكة قال لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنفر ابو جهل الناس قال ادركوا عيركم فكره أمية ان يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا ابا صفوان إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ غلبتني فوالله لأشرين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني، فقالت له يا ابا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟! قال: لا ما أريد ان أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ببدر.
- وفي لفظ آخر في البخاري (انطلق سعد بن معاذ معتمرا قال فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان وكان أمية إذا انطلق الى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد فقال أمية لسعد انتظر حتى اذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل فقال من هذا الذي يطوف بالكعبة فقال سعد أنا سعد فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه، فقال نعم فتلاحيا بينهما: فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي: ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام قال فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك وجعل يمسكه فغضب سعد فقال دعنا عنك فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال إياي قال نعم قال والله ما يكذب محمد إذا حدث فرجع الى امرأته فقال أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمد..!! قال: فلما خرجوا الى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي قال فأراد أن لا يخرج فقال له ابو جهل إنك من أشراف الوادي فسر يوما او يومين فسار معهم فقتله الله. وصدق الله إذ قال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ((3 - 4) سورة النجم. والعجيب - في اللفظ الثاني للحديث - يقين هذا الكافر - مع زوجته - بصدق محمد عليه الصلاة والسلام فقد أقسما على صدقه فقال: والله ما يكذب محمد إذا حدث. وقالت: فوالله ما يكذب محمد. وصدق الله إذ قال: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (33) سورة الأنعام.
وأعجب من ذلك أيضاً أنهما قد كفرا به رغم يقينهما بصدقه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وصدق الله إذ قال: (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (41) سورة المائدة.
- وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه اخرصوا وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أو سق فقال لها احصي ما يخرج منها فلما أتينا تبوك قال :أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد ومن كان معه بعير فليعقله فعقلناها وهبت ريح شديدة فقام رجل فأقلته بجبل طي وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له ببحرهم فلما أتى وادي القرى قال للمرأة كم جاءت حديقتك قالت عشرة أوسق خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- والإعجاز هاهنا من وجوه منها: 1- أنه خرص الثمار بأنه عشرة أوسق فكان الأمر كذلك. 2- أنه أخبر عن ريح شديدة سوف تهب في الليل، فوقع الأمر كما أخبر.
- وصدق الله إذ قال: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (3 - 4) سورة النجم.
(*) عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء |