الحرب المنسية في أفغانستان

صحيح أن الأضواء انحسرت عن أفغانستان، ومع ذلك فالرصاص لا يزال يلعلع في الجبال والوهاد والوديان وحتى في قلب العاصمة كابول، بل في أكثر مواقعها تحصيناً قرب السفارة الأمريكية كما حدث الأربعاء؛ حيث أدى انفجار كبير إلى لفت الأنظار مجدداً إلى تلك البلاد المنكوبة بكل الرزايا والبلايا.
الأخطر في تلك الحرب أن انحسار الأضواء عنها سمح لممارسات كبيرة غير إنسانية أن تتواصل بل وتتفاقم دون أن تثير نقاشاً كبيراً على مستوى العالم، وخصوصاً تلك الانتهاكات المصاحبة للحروب التي عرفت منها أفغانستان الكثير عندما كانت أنظار العالم مركزة عليها، فلا يزال قتل المدنيين من القوات الأجنبية مستمراً، وفي هذا الأسبوع قتل الأمريكيون امرأة وطفلها الرضيع وشخصين مدنيين آخرين، وفي ذات الأسبوع لقي مدنيون آخرون مقتلهم برصاص الأمريكيين أيضاً.
وهذه الحوادث هي ضمن التي تم تسجيلها، لكن في تلك البلاد المترامية الأطراف من المستبعد أن تشغل الأحداث المتفرقة والبعيدة وحتى تلك المؤكدة العاملين في غرف الأخبار في مختلف دول العالم، فالأحداث الساخنة كثيرة، وتتابع الكاميرات والكوادر الإخبارية توجُّهات الدول الكبرى وتصريحاتها المدوية التي تحدد بطريقة تلقائية إلى أين تتجه تلك الكوادر لتأخذ حصتها اليومية من الأخبار، ويبدو أن القليل فقط يذهب لأفغانستان.
بالعودة إلى انتهاكات القوات الدولية ضد المدنيين نشير إلى أنها كانت في فترة الحرب التي انتهت بزوال نظام طالبان في مقدمة الصورة والاهتمامات، فالكثيرون يذكرون حفلات العرس التي تلقت زخات من رصاص الطائرات الأمريكية وصواريخها ما خلف مذابح نالت من الاهتمام الكثير، لكن ذات الحوادث تجري الآن ضد المدنيين دون أن يأبه أحد على صعيد منظمات حقوق الإنسان الدولية.
وفي الغالب فإن الانتهاكات ضد المدنيين تقع خلال مطاردة عناصر طالبان، غير أن القوات الأجنبية لا تهتم كثيراً في غمرة مطارداتها لهؤلاء بمن يسقط قتلى من المدنيين، الأمر الذي يشير إلى ممارسة لا إنسانية تحط كثيراً من شأن إنسان تلك البلاد، وخصوصاً في غياب الاهتمام الدولي بما يجري.
ومن الواضح أن هذا الأسلوب ينطوي ضمناً على تحذير للمدنيين بأن عليهم أن يتعاونوا وإلا فإن عليهم أن يتحملوا نتيجة رفضهم، هذا على الرغم من الوضع الحرج الذي يجد فيه السكان العاديون أنفسهم عندما تتركهم القوات الدولية بعد انتهاء عملياتها وجهاً لوجه مع الذين يتعين عليهم أن يبلغوا عنهم.