Sunday 30th April,200612267العددالأحد 2 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

لسان الدين بن الخطيب (المؤرِّخ والعاطفة) 1- 4 لسان الدين بن الخطيب (المؤرِّخ والعاطفة) 1- 4
بقلم: عبدالرحمن بن محمد العقيل

المنفى


جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى
يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
لم يكنْ وصلُكَ إلاّ حُلُما
في الكَرَى، أو خِلْسَةَ المُختلِسِ
في ليالٍ كَتَمَتْ سرَّ الهوى
بالدُّجى لولا شموسُ الغُرَرِ
مالَ نجمُ الكأسِ فيها وهَوَى
مستقيمَ السَّيرِ سَعْدَ الأَثرِ
وَطَرٌ ما فيه من عيبٍ سِوى
أنهُ مرَّ كَلَمْحِ البَصَرِ
حينَ لذَّ الأنسُ معَ حُلْوِ اللَّمَى
هجمَ الصبحُ هجومَ الحَرَسِ
غارتِ الشُّهبُ بنا أو ربَّما
أثّرتْ فيها عيونُ النرجسِ
فإذا الماءُ تَناجَى والحَصى
وخَلا كلُّ خَليلٍ بأخيهْ
تبصرُ الوردَ غيوراً بَرِمَا
يَكتسي مِن غَيظِهِ ما يَكتسي
وتَرى الآسَ لَبيباً فَهِمَا
يَسْرِقُ السَّمْعَ بأُذْنَيْ فَرَسِ
يا أُهَيْلَ الحيِّ مِن وادي الغَضَا
وبقلبي مَسْكَنٌ أنتمْ بهِ
ضاقَ عن وجدي بكم رَحْبُ الفَضَا
لا أُبالي شَرقَهُ مِن غَربهِ
فأعيدوا عهدَ أُنسٍ قد مضى
تُعتقوا عانيَكُمُ مِن كَربهِ
واتّقوا اللهَ وأحيوا مُغْرَما
يَتلاشى نَفَساً في نَفَسِ
حُبِسَ القلبُ عليكُمْ كَرَمَا
أَفَتَرْضَوْنَ عَفَاءَ الحُبُسِ؟
وبقلبي منكُمُ مُقْتَرِبُ
بأحاديثِ المُنَى وهوَ بعيدْ
قمرٌ أَطْلَعَ منهُ المغربُ
بشِقوةِ المُغْرَى به وهوَ سعيدْ
قد تَساوى محسنٌ أو مذنبُ
في هَواهُ بين وعدٍ ووعيدْ
ساحِرُ المقلةِ مَعسولُ اللَّمَى
جالَ في النَّفسِ مَجَالَ النَّفَسِ
سَدَّدَ السَّهمَ وسَمَّى ورَمى
ففؤادي نُهْبَةُ المفترِسِ
إنْ يكُنْ جارَ وخابَ الأَمَلُ
وفؤادُ الصَّبِّ بالشوقِ يذوبْ
فهوَ للنَّفْسِ حبيبٌ أوَّلُ
ليسَ في الحُبِّ لمحبوبٍ ذُنوبْ
أمرُهُ مُعْتَمَدٌ مُمْتَثِلُ
في ضلوعٍ قد بَراها وقلوبْ
حَكَمَ اللَّحْظُ بها فاحتَكَما
لم يراقبْ في ضعافِ الأنفُسِ
مُنْصِفُ المظلومِ مِمَّنْ ظَلَمَا
ومُجازي البَرِيءِ منها والمُسي
ما لقلبي كلَّما هَبَّتْ صَبَا
عادَهُ عِيْدٌ مِنَ الشَّوْقِ جَديدْ
كان في اللَّوْحِ لهُ مكتَتَبا
قولُهُ: (إنّ عَذابي لَشَديدْ)
جَلَبَ الهمَّ لهُ والوَصَبَا
فهوَ للأشجانِ في جُهْدٍ
جَهِيد لاعِجٌ في أضلعي قد أُضْرِمَا
فهيَ نارٌ في هَشيمِ اليَبَسِ
لم يَدَعْ في مُهجتي إلاّ ذَمَا
كبقاءِ الصُّبحِ بعدَ الغَلَسِ

هذه أبيات من أحد أروع الموشّحات - المغنّاة - في التشوّق إلى الأندلس، وهي لذي الوزارَتَيْن والعُمْرَيْن والميتتَيْن والقَبْرَيْن لسان الدين محمد بن عبدالله بن سعيد (الخطيب) السلماني (713- 776هـ)، وكان مولد لسان الدين في (لوشة) التي تبعد عن غرناطة نحو خمسين كيلاً، ونشأ في غرناطة، وتلقى العلم على علمائها، وهو كاتب وشاعر ومؤرِّخ ووزير ابن وزير، استوزره السلطان أبو الحجّاج يوسف بن إسماعيل سنة 733هـ، ثم ابنه الغني بالله محمد بن يوسف.
ويمثّل موشّح (جادكَ الغيث) إحدى محنتين عظيمتين في حياة لسان الدين بن الخطيب، وهذه المحنة الأولى (محنة النَّفي) حين نُفي مع سلطانه - الغني بالله محمد - المعزول من غرناطة إلى المغرب سنة 761هـ من قِبَل أخيه إسماعيل بن يوسف.. وبمساعدة نسيبه وابن عمّه الغالب بالله محمد المعروف بالبرميخو، أي صاحب اللحية الحمراء، وكان لسان الدين - قَبْل النفي - مُصانعاً للسلطان الثائر إسماعيل، وبقي في وزارته أيّاماً يسيرة، حتى صدر الأمر بمصادرة أمواله وقصوره ونفيه فيما بعد.
* * *
الهلاك


بَعُدْنا وإنْ جاورَتْنا البيوت
وجِئنا لوعد ونحن صموتْ
وأنفاسُنا سَكَنَتْ دَفْعَةً
كَجَهْر الصلاةِ تَلاهُ القنوتْ
وكُنَّا عِظاماً فصرنا عِظاماً
وكُنَّا نَقوتُ فها نحنُ قوتْ
وكُنَّا شُموس سَماءِ العُلا
غرُبنَ فباحتْ علينا السُّموتْ
فكم جَدَّلتْ ذا الحسامَ الظُّبا
وذو البخت كم خَذَلتْهُ البُخوتْ
وكم سيق للقبر في خِرْقَةٍ
فتى مُلِئتْ من كِساهُ التُّخوتْ
فَقُل للعِدا: ذَهَبَ ابن الخطيب
وفاتَ فَمَنْ ذا الذي لا يَفُوتْ؟
ومَن كان يَفرَحُ مِنْهُمْ له
فَقُلْ: يَفرَحُ اليومَ مَن لا يموتْ

وتمثّل أبيات ابن الخطيب هذه محنته الثانية التي انتهت بهلاكه، وكان يتوقّع موته كما قال ابن خلدون في (تاريخه): (وكان، عفا الله عنه، أيام امتحانه بالسجن يتوقّع مصيبة الموت، فتجيش هواتفه لشعر يَبكي نفسه) وذكر الأبيات السابقة.
وملخّص محنته الثانية (التي انتهت بهلاكه): أنه حين شَعَرَ بسعي حُسّاده ضدّه عند سلطانه (الغني بالله) هرب سنة 772هـ إلى تلمسان عند السلطان عبدالعزيز بن علي المريني، الذي أكرمه، وأرسل إلى غرناطة - شافعاً - بطلب أهل لسان الدين وولده، فلمّ شمل عائلته، واستقر لسان الدين بعد ذلك بفاس القديمة.. وتوالت الأحداث على المغرب بعد موت السلطان عبدالعزيز المريني، وقيام ابنه السعيد بالله الذي خُلع، فتولَّى المغرب السلطان المستنصر أحمد بن إبراهيم بمساعدة الغني بالله ابن الأحمر صاحب غرناطة الذي اشترط على المستنصر القبض على لسان الدين وتسليمه إيّاه - فقد بلغ الغني بالله تحريض لسان الدين السلطان عبدالعزيز المريني لغزو غرناطة وضمّها إلى ملكه - فقبض المستنصر على لسان الدين، وكتب بذلك إلى الغني بالله الذي أرسل وزيره ابن زَمْرَك إلى فاس، فعُقد بها مجلس الشورى، ووجّهت التهم إلى لسان الدين.
ويحدّثنا ابن خلدون عن هذه الأحداث في (تاريخه) ويقول: (ولما بلغ الخبر بالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر، بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبدالله بن زَمْرَك، فَقَدِمَ على السلطان أبي العباس (المستنصر) وأحضر ابن الخطيب بالشورى في مجلسه الخاصة وأهل الشورى، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابته، فعظم عليه النكير فيها، فوُبِّخ ونُكِّل، وامتُحِن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ من الناس، ثم تُلّ إلى محبسه.. اشتوَروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجّلة عليه وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودسَّ سليمان بن داود (وهذا له عداوة شديدة مع ابن الخطيب) لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلاً ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر، وقتلوه خنقاً في محبسه، وأخرج شلوه من الغد، فدفن بمقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على شافة قبره طريحاً، وقد جُمعت له أعواد وأُضرمت عليه ناراً فاحترق شعره واسودّ بشره، فأُعيد إلى حفرته.. وكان في ذلك انتهاء محنته).
* * *
الانجرار العاطفي
لقد كانت هذه الحادثة الشنيعة المحزنة (القتل خنقاً، والحرق، ونبش القبر) سبباً في انجرار كُتّاب كُثر - من المتقدمين والمحدثين - انجراراً عاطفياً مبالغاً فيه، فغيّبوا حقائق التاريخ، بدءًا من المقّريّ في (نَفْح الطيب) وهو من أكثرهم حماسة لابن الخطيب وقد يكون المؤثّر في كل مَن جاء بعده، وانتهاء بآخر ما قرأته في كتاب الأخت الفاضلة الأستاذة حنان بنت عبدالعزيز بن عثمان بن سيف، وفّقها الله، الذي يحمل عنوان (مَن دَنَتْ إليه الدنيا فرفعته ثم دالت عليه فوضعته) ص99- 103 .
وتردّدت عبارات على ألسنة مَن يترجمون للسان الدين، وفي مقدمات تحقيق كتبه، مثل القول: (تنكّر له مَن كان هو سبباً في تقريبهم ورفع جاههم).
أو القول: (هؤلاء ممن كان لسان الدين قد رشّحهم للمناصب ومكّنهم منها، وكان هذا كله في نظر لسان الدين تنكّراً للجميل، وعضّاً ليد المحسن الكريم).
* والوزير ابن زَمْرَك اللذَيْن تسبّبا في هلاكه حتى صارَ أثراً بعد عين، مع تنويهه بهما في هذا الإنشاء وغيره، وتفيئهما - كما هو معلوم - ظلالَ خيره، فقابلاه بالغدر، وأظهرا عند الإمكان حِقْدَ القلب وغِلَّ الصدر، وسددا لقَتْلِه سهاماً وقِسِيّاً، وصيَّرا سبيل الوفاء نَسْياً منسيّاً، ولا حول ولا قوّة إلا بالله).
ويقول أيضاً في (نَفْح الطيب) 6/ 77: (قلتُ: هذا الرئيس ابن زَمْرَك صرّح هنا بأنه بجاه لسان الدين بن الخطيب أدرك من العزّ ما أدرك، ثم انقلب عليه مع الدهر، وكَفَرَ نِعمته وبها أشرك، وحرّك من دواعي قتله ما حرّك، وكم من صديق لك ضرّك، وعَقّكَ بعدما بَرّك، وساءك إثر ما سَرّك).
وقد أُطلِق اسم (المتآمر) على كل مَن خاصم لسان الدين بن الخطيب بتأثير ذلك الانجرار العاطفي، بل مارس بعضهم - كالمقّريّ - الشماتة بأولئك الخصوم، يقول المقّريّ في (نَفْح الطيب) 5/ 50: (ولابن زَمْرَك المذكور ترجمة نأتي بها في هذا التأليف إن شاء الله تعالى في محلها، وهو من تلامذة لسان الدين، ومن عداد خدامه، فحين نبا به الزمان، وتعوّض الخوف بعد الأمان، كان أحد الساعين في قتله كما سنذكره، وصرّح بذمه وهجوه بعد أن كان ممن يشكره، وهكذا عادةُ بني الدنيا يدورون معها حيثُ دارت، ويسيرون حيث سارت، ويشربون من الكأس التي أدارت، وقد تولّى المذكور الوزارة عوضاً عن ابن الخطيب، وصدح طيرُ عزِّه بعده على فنن من الإقبال رطيب، ثم آل الأمر به إلى القتل، كما سعى في قتل لسان الدين، وكان الجزاء له من جنس عمله، والمرء يُدان بما كان به يدين، وعفو الله سبحانه مرجو للجميع في الآخرة، وهو سبحانه وتعالى المسؤول أن ينيلنا وإياهم المراتب الفاخرة، فإنه لا يتعاظمه ذنب، وليس للكل غيره من رب).
ويقول في موضع آخر في (نَفْح الطيب) 7/ 170 بعد أن نقل وصف مقتل ابن زَمْرَك من كتاب ابن السلطان ابن الأحمر: (وقد اطلعت منه على تصاريف أحوال ابن زَمْرَك، وقتله على الوجه الذي يُعلم منه أن ثأر لسان الدين بن الخطيب لديه لا يُترك، بل قتلته أفظع من قتلة لسان الدين؛ لأن هذا قُتِلَ بين عياله وأهله، وقُتِلَ معه ابناه ومَن وُجِدَ من خدمه، ولسان الدين، رحمه الله تعالى، خُنِقَ بمفرده، وعند الله تجتمع الخصوم، وهو العفوُّ الغفور).
ويقول أيضاً في موضع آخر في (نَفْح الطيب) 5/ 180 بهذه الروح المريضة الشامتة بالأموات: (وسَنُلم إن شاء الله تعالى بترجمة ابن زَمْرَك هذا في باب التلامذة، ونشير هناك إلى كثير من أحواله، وكيفية قتله مع أولاده وخَدمِه بمرأى ومسمع من أهله، فكان الجزاء من جنس العمل، وخاب منه الأمل؛ إذ لسان الدين قُتل غيلَةً بليل غاسق، على يد مختلس في السجن فاسق، وأمّا ابن زَمْرَك فقُتل بالسيف جهاراً، وتناوشَتْه سيوف مخدومهِ بين بناته إبداء للتشفّي وإظهاراً، وقُتل معه مَن وُجِدَ من خَدمه وابناه، وأبعده الدهر وطالما أدناه.. وهكذا الحال في خُدّام الدول وذوي المُلك، أنهم أقرب شيء من الهُلْك، ويرحم اللهُ مَن قال: إياك وخدمة الملوك؛ فإنهم يستقلون في العقاب ضرب الرقاب، ويستكثرون في الثواب رَدَّ الجواب).
والحقيقة أن ابن زَمْرَك انتهى إلى النهاية نفسها التي انتهى إليها لسان الدين؛ لأنه سار سيرته في الوزارة من الاستبداد والتسلّط وتكثير الخصوم، وما بلغه - كسابقه - من المنّة والغرور، والفساد الإداري والمالي.
والعجب العجب من عليّ بن لسان الدين بن الخطيب الذي وزّع تشنّجاته وذلك الإفراز من الشتائم المقذعة، تحشيةً على نسخة خطيّة من كتاب والده (الإحاطة)، فقد كتب على أول ترجمة ابن زَمْرَك من (الإحاطة) ما نَصّه: (أتبعه الله خزياً، وعامله بما يستحقّه، فبهذا ترجمه والدي مولاه الذي رفع من قدره فيه، ولم يقتله أحد غيره، كفانا الله تعالى شَرَّ مَنْ أحسنَّا إليه.
هذا الوغد ابن زَمْرَك من شياطين الكُتّاب ابن حدّاد بالبَيّازين، قَتَلَ أباه بيده، أوجعه ضرباً فمات من ذلك، وهو أخَسُّ عباد الله تربية، وأحقرهم صورة، وأخملهم شكلاً.. استعمله أبي في الكتابة السلطانية، فجنينا أيام تحوّلنا عن الأندلس منه كل شَرّ، وهو كان السبب في قَتْلِ أبي مصنّف هذا الكتاب الذي رَبّاه وأدَّبه واستخدمه حسبما هو معروف، وكفانا الله شَرَّ مَن أحسنَّا إليه وأساء إلينا).
ثم أخذ المأفون يُعلِّق بخباله على أبيات من قصيدة لابن زَمْرَك، وقد نَقَلَ المقّريّ تلك البذاءات في أكثر من موضع من (نَفْح الطيب) 6/ 77- 78، و7/ 160- 162، 301- 302، 305 .
وعجيب أيضاً أمر لسان الدين بن الخطيب نفسه، فقد كتبَ حاشية على المديح الذي دوّنه في حقّ الكاتب ابن فركون في (الإحاطة): (يُسقَط هذا الساقط من الديوان)!! وكتبَ في هجائه المقذع في (الكتيبة الكامنة) أكثر مما سطّر في مدحه، كما سنراه في حلقة قادمة.
* * *
أخلاق الكلاب
وما أكثر المنّ على لسان ابن الخطيب، يقول في مقدمة (الكتيبة الكامنة): (فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة، ممن لقيناه في بلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين مَن تلقّينا إفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين مَن علّمناه وخرّجناه، ورشّحناه ودرّجناه، ومَن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه)؛ ولهذا جعل كتابه القذر (الكتيبة الكامنة) ميداناً لأخلاق الكلاب (المنّ).
ويا لقذارة لسان الدين إذا ما ترجم في (الكتيبة الكامنة) لأحد أعدائه عندما يقول: (من شعره يخاطبني عند انقطاعه في الصغر لبابي، وتمسّكه لأسبابي..)!!.
أو قوله: (فمما خاطبني به يشكو والده وقد سرق له بعض ما أحسنت به له..).
أو قوله: (وكتب إليَّ جواباً عن إحسان وصله..).
والحقيقة أن لسان الدين ما رَفَعَ أحداً من الناس إلا بجدارتهم وعلمهم وجهدهم.
*، وقلَّما شاركتم أنتم في شيء إلا بأغراض حاصلة في يدكم، ولأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذن في الحقيقة إنما هو متوجّه إليكم (...).
* أيام كونكم بالأندلس تَقلُّد كلفة قضاء الجماعة، وما كان إلا أن وليتها بقضاء الله وقدره، فقد تبيَّن لكل ذي عقل سليم أنه لا مُوْجِدَ إلا الله، وأنه إذا كان كذلك كان الخير والشرّ والطاعة والمعصية حاصلاً بإيجاده سبحانه وتخليقه وتكوينه من غير عاضد له على تحصيل مُراده ولا مُعين..).
وأشار ابن خلدون في (تاريخه) إلى أن هذه المنّة أودت بصاحبها، فقد أكثر من الإدلال بخدماته على سلطانه.. وقد وصل إلى درجة عالية من الغرور والاعتداد بالنفس والرعونة والتحدي، فقد ختم رسالته الاعتذارية الوداعية لسلطانه الغني بالله حين هرب بهذه العبارة: (واعلموا أيضاً - على جهة النصيحة - أن ابن الخطيب مشهور في كل قُطر، وعند كل ملك، واعتقاده، وبره، والسؤال عنه، وذكره بالجميل، والإذن في زيارته، نجابة منكم وسعة ذرع ودهاء.. فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم أقشعت، وتركت الأزاهر تفوح، والمحاسن تلوح).
* * *
إنني أتعاطف كثيراً مع لسان الدين بن الخطيب، ويقشعر بدني لما لقي من الظلم الشنيع والقتل خنقاً والحرق وانتهاك حرمته حيّاً وميّتاً.. ولكن آراءه في معاصريه وجرحه لهم وتعديلهم ومدحه لهم وذمهم؛ تلك الآراء مكانها تحت النعال!! لأن هذا الرجل من النوع الذي يمدح إذا رضي، ويذمّ إذا غضب؛ ولست تدري معه أين الحقيقة؟.
وموعدنا الحلقة القادمة لتعليل هذا الرأي الأخير.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved