جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى
يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
لم يكنْ وصلُكَ إلاّ حُلُما
في الكَرَى، أو خِلْسَةَ المُختلِسِ
في ليالٍ كَتَمَتْ سرَّ الهوى
بالدُّجى لولا شموسُ الغُرَرِ
مالَ نجمُ الكأسِ فيها وهَوَى
مستقيمَ السَّيرِ سَعْدَ الأَثرِ
وَطَرٌ ما فيه من عيبٍ سِوى
أنهُ مرَّ كَلَمْحِ البَصَرِ
حينَ لذَّ الأنسُ معَ حُلْوِ اللَّمَى
هجمَ الصبحُ هجومَ الحَرَسِ
غارتِ الشُّهبُ بنا أو ربَّما
أثّرتْ فيها عيونُ النرجسِ
فإذا الماءُ تَناجَى والحَصى
وخَلا كلُّ خَليلٍ بأخيهْ
تبصرُ الوردَ غيوراً بَرِمَا
يَكتسي مِن غَيظِهِ ما يَكتسي
وتَرى الآسَ لَبيباً فَهِمَا
يَسْرِقُ السَّمْعَ بأُذْنَيْ فَرَسِ
يا أُهَيْلَ الحيِّ مِن وادي الغَضَا
وبقلبي مَسْكَنٌ أنتمْ بهِ
ضاقَ عن وجدي بكم رَحْبُ الفَضَا
لا أُبالي شَرقَهُ مِن غَربهِ
فأعيدوا عهدَ أُنسٍ قد مضى
تُعتقوا عانيَكُمُ مِن كَربهِ
واتّقوا اللهَ وأحيوا مُغْرَما
يَتلاشى نَفَساً في نَفَسِ
حُبِسَ القلبُ عليكُمْ كَرَمَا
أَفَتَرْضَوْنَ عَفَاءَ الحُبُسِ؟
وبقلبي منكُمُ مُقْتَرِبُ
بأحاديثِ المُنَى وهوَ بعيدْ
قمرٌ أَطْلَعَ منهُ المغربُ
بشِقوةِ المُغْرَى به وهوَ سعيدْ
قد تَساوى محسنٌ أو مذنبُ
في هَواهُ بين وعدٍ ووعيدْ
ساحِرُ المقلةِ مَعسولُ اللَّمَى
جالَ في النَّفسِ مَجَالَ النَّفَسِ
سَدَّدَ السَّهمَ وسَمَّى ورَمى
ففؤادي نُهْبَةُ المفترِسِ
إنْ يكُنْ جارَ وخابَ الأَمَلُ
وفؤادُ الصَّبِّ بالشوقِ يذوبْ
فهوَ للنَّفْسِ حبيبٌ أوَّلُ
ليسَ في الحُبِّ لمحبوبٍ ذُنوبْ
أمرُهُ مُعْتَمَدٌ مُمْتَثِلُ
في ضلوعٍ قد بَراها وقلوبْ
حَكَمَ اللَّحْظُ بها فاحتَكَما
لم يراقبْ في ضعافِ الأنفُسِ
مُنْصِفُ المظلومِ مِمَّنْ ظَلَمَا
ومُجازي البَرِيءِ منها والمُسي
ما لقلبي كلَّما هَبَّتْ صَبَا
عادَهُ عِيْدٌ مِنَ الشَّوْقِ جَديدْ
كان في اللَّوْحِ لهُ مكتَتَبا
قولُهُ: (إنّ عَذابي لَشَديدْ)
جَلَبَ الهمَّ لهُ والوَصَبَا
فهوَ للأشجانِ في جُهْدٍ
جَهِيد لاعِجٌ في أضلعي قد أُضْرِمَا
فهيَ نارٌ في هَشيمِ اليَبَسِ
لم يَدَعْ في مُهجتي إلاّ ذَمَا
كبقاءِ الصُّبحِ بعدَ الغَلَسِ