بالرغم من أن حليب الإبل يستهلك في صورة طازجة منذ قرون عديدة، إلا أن منتجاته مثل الجبن واللبن والزبادي مازالت غير منتشرة في الأسواق. وحديثاً يباع في الأسواق الخليجية (المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية) حليب إبل مبستر.
إن التقارير المنشورة عن إمكانية تصنيع حليب الإبل إلى جبن نادرة ومتناقضة في أغلب الأحيان، حيث لاحظ بعض الباحثين أن حليب الإبل لا يمكن تصنيعه إلى جبن مقارنة بحليب البقر، وقد يرجع ذلك إلى احتواء حليب الإبل على نسبة أقل من المركب الأساسي في صناعة الجبن وهو الكازين، إضافة إلى اختلاف كازين حليب الإبل في بنائه ومكوناته وخواصه عن كازين حليب البقر، مع صغر حجم حبيبات الدهن، مما يجعل الجبن الناتج من حليب الإبل ذا قوام ضعيف وأقل جودة من مثيله الناتج من حليب البقر. بينما أشار البعض الآخر إلى إمكانية تصنيع حليب الإبل بنجاح إلى جبن، ولكن فقط بعد خلطه بحليب بعض الحيوانات الأخرى مثل الماعز أو الغنم، في حين أظهرت النتائج الأولية التي أجراها الدكتور محمد مهيا في عام 1993م بجامعة القصيم إلى إمكانية الحصول على جبن طري طازج من حليب الإبل - بالطريقة التقليدية - ولكنه تميز بانخفاض الجودة الحسية وانخفاض نسبة التصافي.
ابتكرت فكرة استخدام تقنية الترشيح الفائق في صناعة الجبن لأول مرة في فرنسا عام 1969م. إن الأساس في هذه التقنية هو تركيز الحليب بواسطة أغشية الترشيح الفائق إلى درجة تركيز تتراوح بين 5-7، حيث يتم التخلص من كمية كبيرة من الراشح المحتوي على المواد الذائبة فقط مثل الأملاح واللاكتوز، بينما يحتجز بقية مكونات الحليب (الدهن، الكازين، بروتينات الشرش والفيتامينات) مع الحليب المركز، مما يزيد من القيمة الغذائية وتصافي الجبن الناتج. ومن أهم مميزات استخدام الترشيح الفائق في صناعة الجبن: (1) زيادة تصافي الجبن، (2) انخفاض كمية المنفحة والبادئ والملح المستخدمة في التصنيع، (3) انخفاض كمية الحليب المركز المستعملة في التصنيع مما يقلل من عدد أحواض التجبن، (4) انخفاض أو عدم وجود شرش نتيجة أن معظم الماء واللاكتوز تم التخلص منه أثناء الترشيح الفائق، مما يخفض من تكاليف التخلص من الشرش (5) توحيد جودة وصفات الجبن، (6) إمكانية التشغيل الآلي المستمر في تصنيع الجبن، (7) انخفاض تكاليف التصنيع بشكل عام. تطبق هذه التقنية حاليا في تصنيع عديد من أنواع الجبن من حليب البقر.
أجريت هذه الدراسة بقسم علوم الأغذية وتغذية الإنسان بكلية الزراعة والطب البيطري، جامعة القصيم، والتي قام بها الدكتور محمد مهيا من خلال البحث الممول من عمادة البحث العلمي - جامعة الملك سعود. وكان الهدف من هذه الدراسة هو (1) تطبيق استخدام تقنية الترشيح الفائق في تصنيع جبن أبيض طري طازج من حليب الإبل، (2) تقدير الخصائص التركيبية والتصافي والتقييم الحسي للجبن الناتج ومقارنته بالجبن المصنع بالطريقة التقليدية.
أظهرت نتائج هذه الدراسة أن الجبن المصنع بالترشيح الفائق كان أعلى في محتوى العناصر المعدنية (الكالسيوم، الفوسفور، الصوديوم، البوتاسيوم، المغنيزيوم، الزنك، النحاس والحديد) والرطوبة، بينما كان محتوى البروتين والدهن منخفضاً مقارنة بالجبن المصنع بالطريقة التقليدية. أدى استخدام تقنية الترشيح الفائق إلى زيادة مقدارها 45% في محصول الجبن، 42%، 40% و 42% في المردود من الجوامد الصلبة، البروتين والدهن، على التوالي. علاوة على ذلك أدى استخدام تقنية الترشيح الفائق إلى انخفاض مقداره 80% في الوقت الكلي للتصنيع، 88.5% في الملح المضاف، 88.4% في البادئ، 85.9% في المنفحة و84.5% في كلوريد الكالسيوم المستخدم. أظهر التقييم الحسي أن أدلة القوام والقبول العام للجبن المصنع بطريقة الترشيح الفائق كانت أفضل من مثيلتها للجبن المصنع بالطريقة التقليدية.
من هذا يمكن القول أن في الإمكان تصنيع جبن أبيض طازج من حليب الإبل باستخدام تقنية الترشيح الفائق، يتميز بقيمة غذائية عالية وبدرجة عالية من الجودة، مقارنة بالجبن المصنع بالطريقة التقليدية. في الحقيقة يعتبر هذا العمل الأول من نوعه على المستوى الدولي لتصنيع جبن من حليب الإبل بهذه التقنية الحديثة، ونسال الله التوفيق.
أ . د محمد عبدالفتاح مهيا قسم علوم الأغذية وتغذية الإنسان كلية الزراعة والطب البيطري - جامعة القصيم - المملكة العربية السعودية |