Sunday 28th May,200612295العددالأحد 1 ,جمادى الاولى 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

هذرلوجيا هذرلوجيا
مشاجرة لأجل جحدر
سليمان الفليح

ذات مرة تشاجرت مع الراحل الكبير عبدالله نور -رحمه الله- بشأن أبيات من الشعر تخص صعلوك اليمامة (جحدر الحنفي) الذي كان إذا نزلت رفقة قريبة من الإبل أخذ (شنة) فجعل فيها (قرداناً) ثم نثرها قرب الإبل فإذا وجدت الإبل مسها نهضت وشد الشنة في ذنب إحداها فنفرت مذعورة فيأخذ ما تطرف منها، وكان خلافنا حول (تأبداته) في جبال نجد حينما اشتد طلب الحجاج بن يوسف عليه، وقد ابتدأت قصة الشجار حينما دعاني ذات يوم إلى سياحة أدبية في الزمان والمكان لاقتفاء أثر الشاعر الصعلوك إياه فحملنا زاد الرحلة واتجهنا حسبما قال لإحضار المُسجّل والكاميرا. وهكذا وقف أمام بيت متواضع فخرج علينا رجل قصير يرتدي معطفاً عسكرياً يعود للجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية بدليل علامة الرايخ الثالث على أحد أكمامه ثم عاد الرجل وأحضر عوداً وكراسة كبيرة ظننتها دفتر النوتة وركب معنا دون أن يحييني وهنا سألت عبدالله نور ولكن أين كاميرتنا ومسجلنا فأشار إلى الرجل وقال (ها هما) أقدم لك الفنان المتعدد المواهب عبدالله بامحرز فهو (عوّاد) ماهر ورسام (عتيد) نحتاج إلى خدماته في رحلتنا هذه ثم اتجه بنا الركب إلى (منفوحة) حيث وقفنا أمام بيوت طينية متهالكة وقال لنسلّم على صديقنا (صناجة) العرب قيس بن ميمون الأعشى. ثم أشار إلى بقايا بيت وقال هنا كان يسكن عمنا الأعشى ثم أخذ يترنم بأبيات للأعشى وراح يحدد من خلالها (بيت الرباب) ومنزل (هريرة) التي كان يحبها حباً جماً ثم خرجنا من الرياض باتجاه طريق الدرعية نحو (حريملاء) وعلى مسافة ليست بعيدة صعدنا إلى جبل ودلفنا إلى (غار) قديم وقال هنا كان يتأبد جحدر فقلت له لا، إنه كان يتأبد في جبل (ثهلان والنير) والدليل على ذلك قوله:


ذكرت هنداً وما يغني تذكرها
والقوم قد جاوزوا ثهلان والنيرا
على قلائص قد أفنى عرائلها
تكليفتاها عريضات الفلا زورا

وهنا احتد عبدالله نور وقال أما أن هذا البيت منحول أو هو لغيره والدليل على تأبده هنا هو قوله:


فيا أخويَّ من كعب بن عمرو
أقلا اللوم ان لم تنفعاني
إذا جاوزتما شعفات (حجر)
وأودية اليمامة فأنعياني

وأضاف عبدالله وهذا ما يدحض دعواك المضلة قلت له بل أنت الضّال. وهنا نهضنا للعراك كعادتنا وكان بامحرز يهتف على طريقة الهوسة العراقية هكذا:
الصل والداب تلاقوا
خش بجحرك ياليربوع
الصل والداب تلاقوا
وبعدما تعبنا من العراك التفت عبدالله نور بنظرته الثعبانية العتيدة إلى بامحرز وقال لماذا لم تفرق بيننا أيها (الجربوع) ثم أنهلنا معاً على بامحرز بالضرب!
وبعد أن ضحكنا من سفاهتنا تناول بامحرز العود وراح يغني بصوته الأجش الحزين:


أكرر طرفي نحو نجد وأنني
إليه وان لم يدرك الطرف انظر
حنيناً إلى أرضٍ كأن ترابها
إذا أمطرت عود مسك وعنبر
بلاد كأن الاقحوان بروضها
ونور الأقاحي وَشي برد (مُجرَّ)

فقلت له هكذا يقول جحدر لله دره فقال عبدالله نور بل هكذا يقول أبو النشناش النهشلي وهو نجدي هو الآخر. وقبل أن نتشاجر ثانية قام عبدالله بامحرز -رحمه الله- وطوح العود وقام برسمنا بالقلم الرصاص ورفض أن يعطينا تلك الرسومات إلى اليوم لأنه هو الآخر قد انتقل إلى رحمة الله فليرحم الله العبدين له عبدالله نور وعبدالله بامحرز.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved