علق بعض الظرفاء على موت زعيم دولة، فقال: مات لمّا مات.. نعم، هناك ملوك ورؤساء وزعماء لدول ولشعوب ولمجتمعات، هم أحياء طالما هم أحياء، ويموتون بمجرد أن تحين ساعة رحيلهم عن هذه الدنيا الفانية.. وهناك زعماء ينطبق عليهم مضمون حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: (الولد الصالح، والصدقة الجارية، والعلم الذي يُنتفع به).
مات فيصل، ولكنه لم يمت.. قاد البلاد في مرحلة كادت أن تضيع فيها البلاد، لولا رحمة ربّ العباد.. وضع البلاد على عتبة القرن العشرين، ويكفيه فخراً وشجاعة وذكراً رؤيته وموقفه من (التعليم).. والذكر للإنسان عمر ثان.
التاريخ لا يرحم، ولا يجامل، ولا يداهن، وعندما (يخلّد) فإنه يعرف من يخلّد، وعندما يُهمل، فإنه يُرسل لمقابر التاريخ.. لقد كان (التعليم) إحدى الركائز الأساسية في برنامج فيصل، ورؤية فيصل، وحلم فيصل.
وهذا هو (فيصل)، مرة أخرى، عندما أصبح في ليلة من ليالي الرياض (الفيصل) في العلم والتعليم، في هذا الزمن الذي تحول فيه التعليم إلى تلقين، والتلقين إلى تعتميم والتعتيم إلى عتمة.. سهّلت هذه العتمة اختطافه بليل، فزادت العتمة على عتمة.. وحتى بعيداً عن تُهم الأدلجة، وضيق الأفق، وأُحادية النظر والرؤية، والضيق بالمُخالف.. بعيداً عن كل هذا النقاش الذي يملأ الساحة الصحفية والفكرية والتعليمية، منذ زمن.. يسأل الغيور على دينه أولاً، ثم المُحب لوطنه، الناصح لمجتمعه، الحريص على فلذات كبده.. يسأل بحرقة كبد أُمّ: هل بهذا التعليم، الذي يبتلع (25%) من ميزانية الدولة، يستطيع الطالب السعودي، أن يواجه تحديات القرن الواحد والعشرين، والألفية الثالثة.. ومتطلبات العولمة، ومنظمة التجارة العالمية، وشروط القرية الكونية، والانفجار المعلوماتي، ومنطق الحكومة الإلكترونية، والإنسان الآلي، وابتكارات الهندسة الوراثية، والسباحة في الخيال العلمي؟ وغير ذلك كثيرٌ.. كثير.
أظن أن إجابة العاقل الناصح المُحبّ - هي بكل تأكيد - لا وألف لا .. لدينا محو أمية - نعم، لدينا مبانٍ تعليمية مستأجرة تصل نسبتها إلى (80%) - نعم، لدينا مكتبات مدرسية، وغرف نشاط تُعقد في (مطبخ) المدرسة المستأجرة - نعم، لدينا فصول يصل عدد الطلاب فيها إلى أربعين طالباً - نعم، لدينا انهيارات في المباني - نعم، والتماس في الكهرباء - نعم، وحرائق، وعدم أنظمة سلامة - نعم، ومواصلات غير آمنة - نعم، لدينا مناهج تخرج (طوابع بريدية) - نعم.. لدينا نيات طيبة، وإخوان وأخوات قائمون على تعليم (طيبون) - نعم..
ولكن عمارة الكون لا تستقيم بالنيات الطيبة، فما نيل المطالب بالتمني والأمنيات، والطيبات من النيات، بل العمارة تأتي من الرشد والرشاد، والقيام بالصالحات من الأعمال.
لدينا خريجون لا يحسنون كتابة (رسالة تجارية)، ناهيك عن نسخها على الحاسوب، ولدينا خريجون بمئات الآلاف من لا يتحدثون اللغات الأجنبية، ولا يتعاملون مع التقنية المكتبية، ومسلحون بالمعارف النظرية القائمة على الاستظهار!
لقد امتلأ سوق العمل السعودي بمئات آلاف من الخريجين والخريجات، من تخصصات ومهارات ومجالات، بينها وبين سوق العمل الحديث (وقفة نفس)، و(عداء مُستحكم)، ويفصلها عن القرن الواحد والعشرين بضع عقود، إن لم تكن قروناً.
ثم تأتينا في ليلة ليلاء، نسمة صيف (مذعذعة)، وومضة من إشعاع (رؤية فيصل) لسنة (2000م): (جامعة الفيصل)، بدت قسماتها واضحة، بأنها جامعة غير تقليدية، وتعبير عن شراكة أهلية تجارية - تعليمية، تعتمد على (العلم)، لا على (التعليم)، تبتعد عن التعليم بالتلقين، إلى التعليم بالبحث والتطبيق، بفكر سعودي، ورؤية محلية، وخبرة عالمية.
(جامعة الفيصل) مشروع حضاري، (تشابكت نحوه الأيدي، وتعانقت له الأفكار).. منارة علم، تُقّدم المنح، وتُنشئ حاضنات العلم والتقانة، وتمنح الدرجات العلا في: الهندسة، والعلوم، والطب، وإدارة التقنية.. وتطمح نحو إنشاء مؤسسة خاصة للتعليم العالي، تتمتع باستقلالية كاملة، ومُعترف بها عالمياً، بوصفها صرحاً للتفوق الأكاديمي والتقني، مُسخرةً هذه الإمكانات لأغراض التعليم والتدريب، والبحث، وتطوير التقنية، من أجل أن تُخرج لنا جيلاً مُدرباً، مُؤهلاً، قادراً على تطوير التقنية وتسويقها.
أما الفاتورة، فهي (400) مليون ريال تقريباً - نِعم الاستثمار في الوطن، ونِعم الاستثمار في الشباب السعودي، ونِعم الاستثمار في المستقبل.. (جامعة الفيصل)، إنها بحقّ، ومضة (فيصلية) بامتياز.
كان بإمكان (آل فيصل) أن يستثمروا هذا المال في غرض من أغراض الدنيا، ولن يلومهم أحد، ويصبح (ريالهم) عشرة أو مئة.. ولكنهم آثروا الوفاء لوطنهم، ومجتمعهم.
وآثروا الوفاء لأبيهم، ورؤية أبيهم، وحلم أبيهم، الذي تحقق - الآن - على أيديهم.
نحبكم (آل فيصل) لأننا - ببساطة - نحبّ أنفسنا، ونحِب وطننا، ونحِب أولادنا، ومستقبل أولادنا.
نحبكم؛ لأنكم (سويتوها يا عيال فيصل).
أكاديمي سعودي
4 - 5 - 1427 هـ
|