قالت وبصوت متأرجح: إن الأيام تسير وتمضي.. والحياةُ كما هي.. قطعت حبل تفكيرها بعد أن رأت بالصدفة إنسانة عرفت ملامحها..
فقالت أسماء: كيف الحال؟؟
- أرجوك لا تسأليني عن حالي.. تأملي حالك واحمدي خالقك لأن حالك ليست كحالي.
فحالي كما كانت عليه.. حياة مليئة بالشقاء.. إن أصبحت فارغة من الهموم امتلأت بالآهات وإن فرغت من الآهات محلات بالذكرى الحزينة.. فالحياة كما هي حيناً تتجرع مرارة الفراق ونبتلع غُصتَه.. وحيناً نودعُ السعادة ملوحين لها بأيدٍ شقية..!!
- لكن كيف؟ لم أفهم ذلك..!!
- لن تفهمي ما أقول مهما حاولت إلا بعد أن تتذوقي وتعيشي الواقع الذي أعيشه..!!
- حسناً.. لكن هل من الممكن أن تستضيفيني في منزلك لكي أعايش طبيعة حياتك.. وأعرف ما تعني..
- بكل سرور.. لكن تذكري أن هذه آخر بسمة أو راحة وسعادة لك..
واعلمي أنك لن تطيقي على هذا صبراً.. وأني لا أحب كثرة التساؤل..
ذهبت أسماء حاملة سعادتها خلف حقيبتها الصغيرة.. فلم تكن تعلم أنها ستفقدها عند أدراج باب المنزل..
- يا إلهي.. لماذا منزلك متسخ ومليء بالغبار يظهر عليك عدم الاهتمام به.. لقد ظننته منزلاً لأحد الأموات فدفن به..
- نعم.. إنه منزل ميتة!!
- أحقاً ما تقولي!! أجننتي لتعيشي في منزلٍ كهذا مغبر وتحت قدميك جثة ميتة!!
- الأمرُ ليس كما تعتقدي وتتصوري.. إني أنا الميتة!!..
- أشبتِ شعرَ رأسي.. كيف تكونين ميتة وأنتِ تتحدثينَ أمامي..
- نعم أنا ميتة!!.. ميتة الوجدان والأحاسيس.. إنسانة بدون شعور ولا معنى..!! أعيش على نبضات قلب مليء بالغبار فيوماً ينزاح هذا الغبار بريح الهموم ويوماً بريح الأحزان..!!
- لكن...
- أرجوك لا تكثري الأسئلة.. عيشي لكي تعرفي..!!
ارتعشت يدا أسماء فهي تحس أنها في منزل غير آمن.. ففي كل جهة من هذا المنزل أوراق متناثرة قد غطى عليها اللون الأسود بكتابات غير مقروءة.. وأحست أنها تعيش مع إنسانة مطموسة الهوية!!! إنسانة تفضل الانطوائية والعزلة على أن ترى إنساناً آخر أمامها!! إنسانة آثرت السكوت على الكلام..
وحين تجوال أسماء في ذلك المنزل المغبر.. رأت ما أثار فضولها.. وحاولت السؤال.. فهي تكره أن ترى شيئاً لا تعرف معنى له..
- ما هذا؟؟ أهو تقويم هجري أم ميلادي؟؟
- ألم أقل لك...
- لا تكملي!!.. أعرف أنك تكرهي الأسئلة.. لكن فقط أجيبي على هذا السؤال!!
- حقاً.. كما قلت لم تستطيعي صبراً على حياتي..
إن ما بين يديك ليس تقويماً هجرياً أو حتى ميلادياً.
- إذن ماذا يكون؟؟
- إنه تقويم (الأحزان)..
- ماذا؟؟؟ لم يسبق لي أن سمعت به متى ظهر؟؟
- منذ ولادتي!!..
- لكن كيف؟؟؟؟
- كفى أسئلة..
حينها تمنت أسماء لو أن الأرض تبتلعها!!
والتفتت يمنة ويسرة لعلها تجد ما يسليها في منزل لا حياة فيه!!
فأصابتها الدهشة عندما رأت كائناً يعيش في منزل إنسانة ميتة.. لقد رأت وردة حمراء!!
أمسكت بها وفكرت في زرعها خارج المنزل لكي تتذوق جمال الحياة..
كيف نمت وردة في منزل سيطرت عليه وحوش العزلة.. هذا ما قالته أسماء في نفسها..
أعادت النظر في مكان تلك الوردة العجيبة فوجدت أوراقاً بيضاء تحولت للسواد لكثرة ما كتب عليها باللون الأسود.
حاولت قراءتها.. فتمكنت للمرة الأولى.. من قراءة ما كتبت ميتة الوجدان.. فقرأت:
كتبت همومي على حبر أسود ورسمت معها دموعاً تحكي قصة هم على ورق أبيض.. مسح ملامحه من البياض وتلطخ بالسواد.. وبجانبه وردة حمراء تعرف مما أشكي.. ولربما في أحد الأيام تحكي قصتي..
سالت دموع أسماء قبل إكمال ما كتبت تلك الإنسانة..
وأعادت الوردة التي تعرف مما تشكي هذه الميتة..!!
فعلمت أنا مصدر حديث هذه الإنسانة قلمها الأسود ومستمعها وجليسها الوحيد هذه الوردة الحمراء!!
.. اتجهت مسرعة لتلك الإنسانة وضمتها إليها.. لقد عرفت!!
نعم عرفت مما تشكي منه!! الآن.. أصبحت جزءاً منك.. لذلك أطلب منك أن تأتي لمنزلي لنعيش سوياً..
- لا.. لن أفعل ذلك.. هذا مكان عيشي الوحيد.. وهذه حياتي ولن أحدث تغييراً فيها مهما حاولت أن تفعلي!!
- ألا يمكنني العودة لمنزلي؟؟ فلقد علمت مصدر شقائك.. وعلمت أن لكل إنسان شقاء يختلف عن الآخر!!
فأنا لم أحتمل شقاءك وكذا أنت لن تحتملي شقائي!!
- يمكنك أن ترحلي.. لكن قبل ذلك سأهديك شيئاً ثميناً..
لا تزال يدا أسماء ترتعش.. رغم معرفتها الكثير عن هذه الإنسانة..
فأخذت تشك في قولها.. فلقد قالت إنها ستهديها شيئاً ثميناً.. فليس من المعقول أن يوجد ما هو ثمين في منزل متهالك مغبر.. ربما جعلت منها إنسانة ميتة الوجدان كنفسها!!.. علمت أسماء أنها أخطأت الظن بعد مجيء تلك الإنسانة البريئة ميتة الوجدان وهي تحمل في يديها ما هو أثمن من (الذهب والألماس)..!!
- افتحي يديك..
وضعت ما أسمته الثمين في يدي أسماء..
- ماذا؟؟ لا لن أقبل بهديتك..!!
- لمَ فالهدية لا تُرد..
- نعم لا تُرد.. لكن هذه الوردة جليسك الوحيد!! فإن أردت أن أرضى أعيديها لمكانها واستمتعي بصحبتها!!
خرجت أسماء من منزل ميتة الوجدان وودعت ألمها مع أدراج باب ذلك المنزل..
وتطلعت إلى الأفق البعيد وقالت:
حقاً.. لن أسأل عن حال شخص آخر بعد اليوم!! يكفيني شقاء حالي..!! وانهالت دموعاً رحمة بحال تلك الإنسانة..
القصيم - البكيرية |