* الرياض - خاص بـ(الجزيرة):
عندما طرح موضوع (زواج فرند) أو (زواج الأصدقاء) أثار ضجة عارمة، فالبعض توقف عند الاسم، واعتبره من الأساس مرفوضاً لأنه مستقى من لفظ أجنبي، والبعض الآخر هاجم الموضوع بشدة، واعتبره ضد استقرار الأسرة، والألفة، والمحبة بين أفرادها، وأنه مثل (زواج المسيار)، أو التقاء لتفريغ الطاقات الجنسية.
ولكن هناك من أيَّد هذا النوع من الزواج، خاصة أنه طرح لحل مشكلات بعض الشباب والفتيات الذين ذهبوا للدراسة في الغرب، ولا يستطيعون تحمل تكاليف الحياة الأسرية، وحماية لهم من الاختلاط والوقوع في المحظور، واعتبروا أن ل(زواج فرند) فوائد إيجابية كثيرة، منها الحد من انتشار العنوسة، وقطع الخلوة المحرمة بين الشباب والفتيات، وحماية للشباب.
الدكتور عبد الملك بن يوسف المطلق الباحث الشرعي المتخصص بقضايا الزواج اهتم بقضية (زواج فرند) من الناحيتين الشرعية والاجتماعية، وتعرض للجوانب الإيجابية والسلبية لمثل هذا الزواج، وما يترتب عليه، وهل هو زواج مسيار؟! أم زواج عرفي؟! وهل يصلح أن يطبق في المملكة؟! وهل يمكن أن يوجد حلولاً مناسبة لقضية العنوسة؟ أم أنه يزيد مشكلاتنا الاجتماعية أكثر؟!
في هذا الحوار مع الدكتور عبد الملك المطلق يتناول قضية (زواج فرند)، وكيف جاءت، إضافة إلى بعض القضايا المتعلقة به.. وفيما يلي نص الحوار:
* نريد معرفة القصة الحقيقية لموضوع (زواج فرند)، ومن أين جاءت، ولماذا؟
- زواج الفرند أو الزواج الميسر هو: (زواج الأصدقاء) وهي جاءت من كلمة (فرند)، وهي كلمة انجليزية، ومعناها الصديق، وقد تبنى هذه الفكرة الشيخ عبد المجيد الزنداني؛ يقول فيها: (إن هذه الفكرة بنيت على أسس شرعية تعطي الزوجين الحق في أن يستمتعا ببعضهما إثر إتمام العقد الشرعي الصحيح، المستوفي لجميع أركانه وشروطه ومنها: الولي، والشاهدان، وصيغة العقد الشرعية، والمهر، ورضا الزوجين، وخلوهما من الموانع الشرعية التي تمنع زواجهما، ومن ثم فإن عقد الزواج هنا مستوفٍ لجميع الشروط، وبعد ذلك يحق للزوج أن يستمتع بزوجته، وتثبت المصاهرة والنسب واستحقاق الإرث وغيرها من الأمور التي تجعل هذا الزواج يختلف تماماً عن زواج المتعة، الذي يقوم على التوقيت، ولا يترتب عليه استحقاق الإرث بين الرجل والمرأة، ولا ينتهي بالطلاق المشروع).
فالصداقة من القيم الإنسانية الجميلة إذا وجهت بطاقاتها العظيمة نحو الأخلاق الفاضلة التي بها تسمو الحياة وترتقي، وبدونها تضعف وتنحدر، إذ إن الأصل في الإنسان كونه اجتماعياً بطبعه وفطرته، ينشد الدفء والمحبة والراحة والأنس عبر هذا التواصل واللقاء. فيا حبذا أن تكون هذه الصداقة بعد الزواج لا قبله!! حتى تكون في أروع معانيها وأجل قيمها؛ إذ إنها نتيجة للزواج لا سبب له!!
* وما السبب الحقيقي وراء (زواج فرند)؟
- الزواج الميسر أو الفرند كما شرحه الشيخ الزنداني، فإنه كما يقول اطلع من خلال زياراته ولقاءاته مع الكثير من أبناء ا لمسلمين الذين يعيشون في الغرب على حجم المشكلة التي تواجه أبناء الجيل الجديد، فهناك من يأتي (بصديقته) إلى منزل الأسرة والفتاة تأتي أو تعيش مع صديق لها، والمحرمات التي ترتكب، والتي تخالف الشرع والدين والعادات والتقاليد، وهذه مشكلة كبيرة للمسلمين في أوروبا ولا بد من مواجهة هذه المشكلات التي عمت بشيوع الزنى والفواحش والموبقات التي ترتكب عن طريق العشيقات والأصدقاء، فقلت الحل (بزواج فرند) وسبب التسمية: لم تكن التسمية بالمعنى الحقيقي إنما جاءت من قبل المشاكلة أو في مقابل (بوي فرند، والجير فرند) فنحن نتحدث عن مشكلة عن أبناء الجيل الجديد في أوروبا وأمريكا، وهو رأي وليس فتوى!!
لذا يمكن القول بأن زواج الفرند وجد لحالة خاصة؛ وهذه الحالة هم من فئة الشباب المغترب الذين تداهمهم الفتن بالليل والنهار وأثناء الدراسة، وعبر التنقلات من مكان لآخر، ومن مدينة لأخرى، وهكذا المصادر الأساسية للتعلم؛ كالمكتبات، والمعامل، التي يضطر الطالب أحياناً إلى الاختلاط المباشر مع المرأة. فهذا الزواج أفضل ما يقال فيه أنه ارتكاب لأخف الضررين.
* وماذا عن ردود الفعل تجاه هذا النوع من الزواج؟
- أول ما أثار الجدل في هذه القضية: الصيغة التي طرحت في إطارها الفتوى وذلك لارتباطها بمصطلحات تهتم بالصداقة والحرية الجنسية في بلاد الغرب مثل: (البوي فرند) و(الجير فرند) في حين تتوافر في مصادرنا الفقهية ومراجعنا الشرعية ما يغني عن مثل هذه التسميات.
ولكن في رأيي أن الذي ينبغي أن يعرف من فكرة الشيخ الزنداني أنها ليست فتوى بالجواز مطلقاً؛ وإنما هو رأي لمن هم في بلاد الغرب من المسلمين وخافوا على أنفسهم الزنا، فكأنه جعل هذا الرأي علاجاً لهم كالمضطر في أكل المحرم خشية الهلاك ونحوه، وهذا الأمر لا شك أنه يختلف عن الذي يفتي بالجواز ويدافع عن فتواه بقوة مدعماً ما يقول بالأدلة والشواهد.
* وما مزايا زواج الفرند ومدى إسهامه في حل بعض المشكلات الاجتماعية؟
- على الرغم من أن زواج الفرند لا يحقق أهداف ومقاصد الشرع من الزواج بصورة كاملة إلا أن له بعض الفوائد والمميزات والتي منها:
أولاً: هو وسيلة لتفريغ الطاقات الجنسية وإشباع الغريزة وخاصة إذا كان الشاب في عمر وسن (حساس) ونحن نعرف أن الشاب في الغالب يعاني من الغلاء والبطالة، ولا توجد قدرات مادية على قيامه بالزواج العادي.
ثانياً: قد يكون في هذا الزواج وبالذات للطلاب الجامعيين نوع من حمايتهم من الزنا وسبب للراحة والاستقرار النفسي في ظل عصر كثرت فيه الإغراءات وغزو الفضائيات، وذلك بدلاً من إحساسه بالعجز الذي قد يدفعه إلى الاتجاه إلى الحرام.
ثالثاً: سبب لقطع الخلوة، التي ربما تكون شبه مفروضة عليه، خاصة في حالات يضطر الرجل إلى الاختلاء بالمرأة؛ سواء كانت موظفة او ممرضة أو عاملة منزلية يخاف الرجل على نفسه من الوقوع في المحظور فيتزوج بها عن هذا الطريق وتكون سبباً في إعفافه.
رابعاً: قد يكون هذا الزواج سبباً في إحصان المرأة عن الحرام وعن الأمراض النفسية؛ فالمرأة إذا عاشت وحيدة فريدة، قد تشعر بالاكتئاب والضيق النفسي، وعدم الثقة بالنفس، وهذا الزواج يشبعها عاطفياً ولو جزئياً.
خامساً: من أكبر إيجابيات زواج الفرند هو الحد من انتشار العنوسة المنتشرة في معظم البلدان العربية والإسلامية بنسب عالية.
سادساً: زواج الفرند قد يساعد على إعفاف قدر معقول من النساء، وقد يكون هو الصورة الأخيرة والحل الأخير لهذا الإعفاف.
سابعاً: من مزايا زواج الفرند تقليل الأعباء على الفرد السعودي، حيث وصلت تكاليف الزواج العادي في المملكة العربية السعودية - وهذا في المعدل المتوسط - إلى ما يقارب المائة ألف ريال ما بين مهر وخلافه، وربما يزيد على هذا! فالنظرة السائدة بأن الفرد السعودي له دخل كبير ويعيش في مستوى عالٍ من المعيشة، هذا ليس على إطلاقه، ففي دراسة قام بها راشد الباز - أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود - تشير إلى أن خط الفقر للمواطن السعودي يبلغ 1120 ريالاً بالشهر - بعد احتساب أجرة المنزل - في حين يبلغ خط الكفاف 1660 ريالاً شهرياً.
وبهذا يتضح للمتأمل: أن المستوى المعيشي اختلف في المملكة عنه قبل عشرين سنة عندما كان الدخل مرتفعاً، والأسعار ثابتة وضئيلة نسبياً، وباقي المستلزمات متوافرة، كالوظائف وغيرها من المحفزات الأخرى؛ كالبدلات والعمل خارج الدوام وما شابه ذلك، إلا أن هذا الثبات نجد أنه ما زال ثابتاً في عقول كثير من الناس دون اعتبار للمتغيرات الجديدة، فرغم المشقة وصعوبتها في إيجاد الوظيفة مثلاً، وارتفاع أسعار السيارات ومستلزماتها، وإيجار المنازل وأثاثها، إلا أنه يوجد كثير من الآباء لا يرضى بتزويج ابنته بأقل ما كان عليه سابقاً من المهر وقصر الزواج والأعباء الأخرى، وكأن هذه المتغيرات لا تؤثر على تكاليف الزواج؟ وكأن له حصانة لا يمكن الاقتراب منها، فإذا كانت الدراسة السابقة تشير إلى أن حوالي 40% من المتقاعدين لا يملكون منزلاً؟ فكيف بهم وصعوبة الحياة الآن!! فظهور مثل هذه الزيجات أمر غير مستغرب البتة.
* وماذا عن سلبيات زواج الفرند الدينية والاجتماعية؟!
- السلبيات التي تعتري هذا الزواج كثيرة جداً، ومن أهمها ما يلي:
أولاً: هذا الزواج ينتج عنه زوجات ليست لهن حماية في المجتمع، وقد تنشأ أسرة مفككة.
ثانياً: إن المرأة حين تقدم على (زواج الفرند) تتنازل عن جزء كبير من حقوقها فلا تستطيع حينها أن تحمي نسلها الجديد في أخذ حقوقه من الأب إذا ما تنكر له.
ثالثاً: الإحساس بعدم الاستقرار خاصة إذا كان الشخص من دولة والفتاة من دولة أخرى أو شخص أقدم على الزواج ممن تعمل عنده.
رابعاً: اضطرار كثير من الزوجات إلى الإجهاض إذا ما حدث حمل؛ وذلك نظراً إلى أنها تكون قد اتفقت معه على عدم الإنجاب.
خامساً: تأثيره السلبي على الأبناء ونموهم النفسي والاجتماعي.
سادساً: عدم توثيقه في بعض الأحيان، وهذا قد يؤدي إلى ضياع الحقوق إذا حدث خلاف بينهما وكان الزوج لا يخاف الله وممن يرغبون في المتعة فقط، وأنه قد يؤدي إلى اتهام المرأة في عرضها ودوران الشبهة حولها، خاصة إذا لم يعلن هذا الزواج وسط جيران الزوجة.
سابعاً: كثرة الشكوك حول الزوجة خاصة إذا وجد الحمل! وقد باتت الآن أمام المحاكم في مصر قضايا لم تكن تتوقف عندها، وهي إنكار بعض الآباء نسب أبنائهم لهم، وهي تعزى في الغالب إلى الزواج العرفي وقد يقترب (زواج الفرند) من الزواج العرفي في هذه الإشكالية حتى ولو قلنا بإثبات النسب قضائياً وأن الولد للفراش؛ فالمسألة تكمن في القناعة النفسية عند كثير من الناس وليست القضائية فقط! مما ينتج عن ذلك ترك الأبناء دون رعاية أو لا قدر الله يرتكب في حقهم جرماً جسدياً؛ وعصرنا الحاضر ليس ببعيد عن ذلك.
ثامناً: إن هذا الزواج يمكن استغلاله من جهتين هما: الأولى: إنه أشبه بالزواج بنية الطلاق ونكاح المتعة، والثاني: إنه غير موثق وناقص لبعض الأركان والشروط في بعض الأحيان - وخاصة إذا كان هذا الزواج في الخارج - وكثرة التلاعب فيه.
تاسعاً: أنه يعد من الحيل المحرمة التي ذمها السلف الصالح.
* هل هو شر محض بسبب هذه السلبيات؟
- بسبب هذه السلبيات فلا شك أن شره سوف يكبر ويكثر، ويعظم خطره، ويستغل استغلالاً بشعاً للحصول على اللذة وبأسرع وقت؛ وكأنه الطريق الوحيد الذي وجد لإشباعها!!
* وما رؤيتكم الشخصية لزواج فرند؟!
- إننا لو دققنا النظر في هذه المسألة لوجدنا أنها بنيت لحالة خاصة تخص أبناء الجاليات المسلمة الذين اضطرتهم ظروفهم إلى المكث وقتاً من الزمن في بلاد الغرب - وأهل هذه البلاد لا يرون في الصداقة بين الجنسين بأساً أو حرجاً أو حرمة إلا من رحم الله وقليل ما هم، فهذا الزواج - والله أعلم - يدخل في ما يسمى (الزواج بنية الطلاق) فمتى ما رجع لبلده طلق وانتهى أمره.
ولذلك ينبغي - بالنظر إلى إجازته من قبل المجمع الفقهي - أن يعدل هذا الزواج ويحور ليتوافق وروح الشريعة السمحة؛ ومن ذلك حصول المقاصد المطلوبة في الزواج المشنود، أو أغلبها على الأقل، ويمكن ضبط ذلك بعدة ضوابط محددة.
* وماذا عن وجوده في المملكة؟!
- قد نجد لهذا النوع من الزواج هنا مثيلاً في بعض حالات زواج المسيار خاصة إذا كانت الزوجة في بيت أهلها؛ فالغالب أنه يأتي إليها ويأخذها إلى مكان ما، حيث التحرج من أهلها، أو إذا كانت في بلد آخر بعيداً عن بلده فهو في الغالب لا يضع لها مسكناً خاصاً وذلك لقلة وجوده في بلدها، وإنما يكتفي بأخذها من بيت أهلها - عند زيارته لها - إلى مكان يأويان إليه كالشقة المفروشة مثلاً، أو الفندق، وما شابه ذلك مثل: أن تأتي هي إلى بلده في أوقات قصيرة أو في الصيف مثلاً ونحوه.
|