التاسع من حزيران (يونيو) تنطلق صافرة المونديال، الجميع ينتظر.. يترقب.. يتابع.. الدول المشاركة، وحتى مشجعو الدول غير المشاركة، يتابعون من أجل الاستمتاع بمشاهدة نجوم العالم في الساحرة المستديرة التي تستطيع إخفاء الشريط الأحمر الذي يظهر أسفل القنوات الفضائية محملا بأخبار الانفجارات العراقية، والاغتيالات، والقمع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخلافات الحكومة المصرية والقضاة، وتظاهرات كوريا الجنوبية من أجل حركة كفاية المصرية، وحتى التهديد النووي الإيراني الذي تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية (شرطي العالم) الهجوم المستبد على إيران من أجل إيقاف عمليات تخصيب اليورانيوم لأجل عيون إسرائيل الصديق القوي لها، حتى الزلزال الذي راح ضحيته أكثر من أربعة آلاف قتيل في إندونيسيا، مشكلات وقضايا كثيرة جدا، ولا يمكن حصرها، يحملها الشريط الأحمر الدامي الذي بدأ ظهوره لبث الأخبار الأكثر أهمية، وكنَّا ننتفض كلما رأيناه يظهر متوجسين مما قد يحمل من أحداث جسام، قد تكون بالقرب منا جدا، ولمَّا لم تعد هناك أخبار قليلة الأهمية وأخرى أكثر أهمية، صار هو المسيطر على أسفل القنوات يدور دائما بأخباره المؤلمة.
أعتقد أنه سيستريح ولو لمدة شهر تقريباً عن حمل هذه الأخبار التي ستتوارى خجلاً أمام تنبؤات ومراهنات وأهداف ومشاهدة النجوم الكبار، والمشجعات الجميلات، وعلى رأسهن البرازيليات ورقصة السامبا الشهيرة، والملاعب التي تعدها ألمانيا من أجل هذا الكرنفال التي كلما رأيناها تذكرنا صفر المونديال الذي حصلت عليه مصر، وذكرتنا أن هناك أصفاراً كثيرة لم يتم الإعلان عنها في الوطن العربي لو تمت المنافسة لانكشف المستور وأزيحت أستار كثيرة عن مكامن الوجع التي تفر منها الحكومات، وحتى من علاجها، أو التفكير في إزالة مسبباتها حتى تغرق شعوب المنطقة في المزيد من خيبة الأمل في حكوماتها التي عجزت عن توفير النذر اليسير من حالة رضا شعوبها.
تتوارى الأحداث التي تعودنا على مشاهدتها، وسماع الأخبار ومتابعة البرامج الشجارية (الحوارية) التي تحاول أن تظهر بمظهر المحايد، ولكنها في الحقيقة هي تدعم كفة على أخرى، من وراء الكواليس وقبل بدء البرنامج والتسجيل تكون القضية محسومة، والنهاية متفق عليها.
وسينسى السعوديون خسائرهم الفادحة في سوق الأسهم، وسيقيمون الأفراح والليالي الملاح في حال فوز المنتخب السعودي ولو مباراة واحدة، أو حتى تعادل.
تغطي أحداث المونديال على آلام الشعوب، ويلعب المهتمون على المزيد من التوجيه الإعلامي صوب ألمانيا الدولة المنظمة للمونديال، وجعلها قبلة الإعلام والكاميرات الفضائية.. للعمل على تواري مشكلاتنا العربية المعقدة بعيداً من الكاميرات، ولو لشهر واحد.
حتى شباب الإنترنت، سيكفون عن الشات وموضوعاته المخجلة، التي معظمها يهدف إلى إضاعة الوقت، وكذلك الحب عبر الهاتف الثابت، أو الجوال، وستخلو الشوارع من المارة في البلدان المشاركة لحظة وقوع الحدث الاستثنائي الأهم وهو مشاركة منتخبهم في مباراة ضمن المونديال، ويا حبذا لو فاز المنتخب تخرج الجماهير تهتف باسم الهداف والمدرب وحارس المرمى، وحامل حقائب اللاعبين أيضا، الذي كان يجمع الكرات من خلف المرمى، كلهم أبطال، إنه الحدث الاستثنائي الذي لا يتكرر إلا كل أربع سنوات!.
بيليه، رونالدو، سامي الجابر.. وغيرهم الكثيرون جدا ممن لا يستطيع أحد حصرهم في سطور مقال تنتظرهم جماهير من جميع بلدان العالم ليشاهدوا طلعتهم البهية وينسوا أو يتناسوا واقعهم المزعج (ويلات الحرب العراقية والفقر والبطالة والعنوسة، والخيانة الإلكترونية، وحجاب الفنانات، و...، و...) طوال شهر كامل تقع الكوارث مثلما تقع الآن، لكن الإعلام سيغض الطرف عنها ولو قليلاً حتى يقف على الحدث الأكثر جماهيرية، والأكثر سخونة، والأكثر نقوداً، هكذا عودنا الشريط الأحمر أن ينقل لنا الأخبار الأكثر جماهيرية، وليس هناك أهم من أخبار المونديال بدءا من التاسع من حزيران (يونيو) مع انطلاق صافرة البداية.. ننسى همومنا، نواري مشكلاتنا، ويموت من يموت في الظل من دون أن نعرف أو حتى نهتم من أجل عيون المونديال.. وعلى الجميع السلام.
* aboelseba@yahoo.com
|