الانسمام بالرصاص خطر من أخطار التلوث، ويسمونه (الوباء الصامت)؛ لأن الطبيب قلما يعرف أن يشخصه لدى المريض الذي يشكو تارة الصداع وطورا ألم المعدة والكِلية وغير ذلك من أعراض ليست في معظم الأحوال سوى نتيجة من نتائج التلوث خاصة التلوث بأملاح الرصاص.
ففي كل سنة يبلغ عدد الإصابات بضع مئات الألوف، ومنها عشرات الألوف من الإصابات المميتة التي يتعرض لها الأطفال بنوع خاص.
حسبوا مقدار الرصاص المحلق في الجو فوق البلدان الأوروبية فوجدوا أنه يبلغ في الوقت الحاضر 300 ألف طن! فمن خصائص الرصاص أنه يعوم في الجو مدة طويلة ويتنقل كالغيوم من مكان إلى آخر.
أهم مصادر الرصاص: المحروقات
جميع خبراء العالم يبحثون عن أسلوب لتخفيف نسبة الرصاص في البنزين المستخدم في محركات السيارات، فإن غاز الاحتراق المنبعث من السيارات يشتمل على مواد مضرة أهمها أوكسيد الفحم ثم الرصاص. وإن كل لتر من البنزين إنما يشتمل على 0.40 جرام من الرصاص؛ ولذلك قررت الدول الأوروبية أن تخفض هذه النسبة إلى 0.15 جرام في اللتر.
غير أن مثل هذا القرار له انعكاسات صناعية بعيدة؛ إذ ينبغي حينئذ تغيير صيغة محركات السيارات؛ لأن هذه المحركات كانت تصنع حتى الآن على أساس نسبة عالية من الرصاص في البنزين.
ومن العراقيل دون تحقيق هذا المشروع أنهم إذا جردوا البنزين من الرصاص وجبت عليهم الاستعاضة عنه بمواد بديلة ربما كانت أخطر منه.
مهما يكن من فائدة المشروع إلا أنه حتى وإن أمكن تحقيقه فإنما ذلك لن يتم إلا في أجل بعيد، في سنة 1976م على أحسن الاحتمالات.
وفي هذه الأثناء يمكن أن يكون الرصاص قد اخذ ينتقل إلى المزروعات، فقد لاحظوا أن الخضار المزروع على حافة طرقات السيارات يشتمل على رصاص، وأنه مهما غسل ونظف لا يزول الرصاص منه.
ومن مصادر الرصاص أيضا التمديدات المائية في الأنابيب في الكثير من المدن. ثم استخدام أوعية مطبخية مصنوعة من رصاص أو من خليط معدني مشتق من الرصاص. ويكفي عندئذ أن تبقى (السلطة) مدة ليلة في وعاء رصاص حتى يأكل الحمض المادة الرصاصية ويحللها إلى أملاح مضرة. وهذه أيضا حال الأواني الخزفية التي يطلى معظمها بقشرة من الرصاص.
كيف يحصل الانسمام بالرصاص؟
مركبات الرصاص المعدنية أو مشتقاته العضوية تحدث التسمم الحاد الذي تظهر أعراضه في الفم حيث يشعر المنسم بطعم السكر، أو في الحلق الذي يتشنج أو في المريء أي أنبوب نزول الأطعمة إلى المعدة، أو في المعدة نفسها حيث يحس المصاب بحروق أليمة. ثم تتبع ذلك نوبات مغص عنيف تقترن بالإسهال، وتتباطأ الدورة الدموية، ثم تنشل الساقان في الحالات الخطيرة وتأخذ المصاب اختلاجات ربما كانت نذير الموت.
غير أن هذا الانسمام الحاد نادر في العصر الحاضر، فإن الشائع هو الانسمام المزمن.
أما كيفية وقوع الانسمام فإن الطب لا يعرفها تمام المعرفة، ومن النظريات المرجحة أن الرصاص يكبح نشاط بعض الخمائر في الخلايا البدنية، وأنه يبلبل أسلوب تكون صباغ الدم الضروري لنقل الأوكسجين إلى الخلايا.
ومن أخطار الانسمام المزمن ولا سيما لدى الأطفال أن أعراضه غامضة لا ترشد الطبيب إلى الحقيقة بالسرعة المطلوبة لنجاعة العلاج وأعم أساليب التشخيص هي تحليل الدم لمعرفة نسبة الرصاص.
هل كان الانسمام الرصاصي سبب انهيار الإمبراطورية الرومانية؟
زعم الدكتور الأمريكي جيلفين في مطالعة حديثة أن الانسمام الرصاصي كان السبب الأول في انهيار الإمبراطورية! فإنه هو سبب الهزائم العسكرية الرومانية وسبب انطماس جميع الحضارة الرومانية.
ولا بد لتفهم هذه النظرية الجريئة، من النظر إلى عادات الطبقات الارستقراطية الرومانية فإنها كانت تشرب الماء المجرور إلى المنازل بواسطة أنابيب مصنوعة من الرصاص، وكانت تشرب في أوعية رصاصية.
وكان الرصاص يستخدم في أنواع كثيرة من مواد تزيين المنازل، خاصة مواد التلوين المحتوية على أوكسيد الرصاص.
وهكذا انقرضت على مراحل الطبقات الرومانية البرجوازية أي التي كانت منفردة بالحكم. فإن سائر الطبقات الشعبية لم تكن قادرة على شرب الماء والخمور.. إلخ، على طريقة الطبقة الغنية.
ومن تلك المراحل أن نسبة الولادات لدى الطبقات الحاكمة انخفضت لأن الانسمام الرصاصي سبب من أسباب العقم، فضلا عن أنه سبب من أسباب الإجهاضات غير الإرادية، بحيث إن أباطرة الرومان قلما كان يخلفهم أبناؤهم، ابتداء من سنة مئة قبل الميلاد، ودرجت عادة تبني الخلفاء.
ويقول الدكتور الأمريكي إن الحكام الرومان لاحظوا ذلك الخطر ولكنهم لم يعرفوا أسبابه بدليل أن الامبراطور أغسطس أصدر قرارا لمعاقبة الممتنعين عن الزواج، ولمكافأة أصحاب الأسر الكثيرة الأولاد.
ويشهد تحليل الهياكل العظمية المحفوظة في قبور رومانية (وكانت القبور من امتيازات الطبقة الغنية) بوجود نسبة من الرصاص في أبدان أصحابها. قال الدكتور الأمريكي إن لديه براهين أخرى كثيرة يستعد لنشرها في كتاب كامل عن علاقة الانسمام الرصاصي بانهدام الإمبراطورية الرومانية.
|