في جلسة مجلس الوزراء الموقر لإقرار ميزانية الدولة للعام المالي 1426 - 1427هـ، وجَّه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - أعضاء مجلس الوزراء قائلاً لهم: (المهم السرعة لا يوجد عذر الآن ولله الحمد الخيرات كثيرة ولم يبق إلا التنفيذ).
وكما هو معروف أن ميزانية الدولة للعام 1426 - 1427هـ، تُعتبر أكبر موازنة في تاريخ المملكة، فقد تميَّزت بزيادة حجم الإنفاق العام على البرامج التنموية والمشروعات الجديدة لتكون بحدود (126 مليار) ريال، ومن ضمن مشاريع التنمية الهامة على سبيل المثال:
- إنشاء المختبر الوطني للفيروسات.
- إنشاء (3) مدن جامعية في مناطق جيزان وحائل والجوف.
- إنشاء (3) مستشفيات جامعية.
- إنشاء (35) منشأة تعليمية وتدريبية ومهنية وغيرها الكثير من مشاريع الخير والبركة.
ويُمكن تصنيف مشاريع التنمية على أساس فئتين، الفئة الأولى: مشاريع خاصة لكل مدينة مثل مستشفى عام أو مركز صحي أو مدرسة لمدينة معينة أو قرية، وهذه المشاريع ضرورية لكل مدينة ويجب إقامتها وتنفيذها في المكان المخصص لها في الميزانية، حيث إنها تهدف إلى خدمة هذه المدينة أو القرية.
والفئة الثانية من مشاريع التنمية هي المشاريع الكبيرة المتخصصة حيث يتم تنفيذ مشروع واحد فقط سواء على مستوى المملكة أو المنطقة مثل مستشفى تخصصي أو مدينة صناعية أو مستشفى جامعي أو مطار إقليمي تحتاجه كل منطقة وليس كل مدينة، أو مشروع مختبر وطني أو مركز أبحاث متقدم، وهذا تحتاجه المملكة كمشروع وحيد حيث يصعب في الوقت الحاضر إنشاء مثل هذه المشاريع في كل منطقة.
ومن أهم المعوقات الرئيسة التي ستواجه مشاريع التنمية المعتمدة في الميزانية توفير الأراضي الحكومية وبخاصة في المدن الرئيسة، حيث إنه فعلاً تمَّ تأخير تنفيذ مشاريع معتمدة في ميزانية الدولة من مشاريع الفئة الأولى والثانية لسنوات طويلة تجاوزت العشر سنوات لبعض المشاريع بسبب عدم توفر أرض للمشروع في المدينة الرئيسة، وهذا في حقيقة الأمر قد أدى إلى:
1- عدم الاستفادة من المبالغ المرصودة في الميزانية.
2- عدم تقديم الخدمة المتوقعة من المشروع عند انتهائه سواء للوطن أو المواطن.
3- عدم فح مجالات عمل للمواطنين بعد انتهاء المشروع وتشغيله.
4- يتم عادة تنفيذ المشروع بعد توفر الأراضي طبقاً للتصاميم والمواصفات القديمة التي تمَّ إعدادها قبل سنوات طويلة، وهذا سوف ينعكس على المشروع وتجهيزاته ومعداته.
5- تأخير المشروع سوف يؤدي غالباً إلى ارتفاع تكلفة التنفيذ والتجهيز وبالتالي زيادة الإنفاق من المال العام بدون مبرر.
6- الإصرار على تنفيذ المشروع في مدينة معينة يعني استمرار الضغط عليها وعلى الخدمات والمرافق واستمرار الهجرة إليها، وفي نفس الوقت عدم تنمية مدن أخرى في المنطقة لو تمَّت إقامة المشروع فيها.
وغيرها من السلبيات التي لا مجال لذكرها الآن.
إذاً نحن نواجه مشكلة في تأخير مشاريع التنمية بسبب عدم توفر أراضٍ حكومية ما هو الحل إذاً؟؟
من وجهة نظري المتواضعة أرى أن الحل يمكن في التالي:
1- أكد خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - أمام مجلس الشورى في 3-3-1427هـ بأن تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي المتوازن بين مناطق المملكة قرار إستراتيجي حتى لا تنمو منطقة ما على حساب منطقة أخرى.
2- نصَّت خطة التنمية الثامنة وكذلك خطط التنمية السابقة على ضرورة تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة وتضييق الفجوة التنموية فيما بينها.. وهذا لا يتم إلا عن طريق إنشاء محاور تنمية اقتصادية جديدة بعيداً عن المدن الرئيسة وطبقاً لما نصَّت عليه الإستراتيجية العمرانية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر في عام 1422هـ.
وطبقاً لذلك فإنه من المناسب في حالة مشاريع الفئة الثانية (حسب التصنيف أعلاه) والمعتمدة في الميزانية ولا توجد أرض متوفرة للمشروع في المدن الرئيسة أن يتم فوراً تنفيذه في أي مدينة أو حتى قرية متوفر فيها أرض، حيث إن هذا الإجراء يحقق أولاً توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله سواء في جلسة إقرار الميزانية بسرعة تنفيذ المشاريع أو في الخطاب السنوي أمام مجلس الشورى لتحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة وكذلك إستراتيجيات خطة التنمية، ناهيك عن ما سوف يحققه المشروع عند إقامته في مناطق أقل تنمية من فوائد عديدة لا تخفى على أحد.. وهذا الإجراء مطبق عالمياً، فعلى سبيل المثال مستشفى مايو Mayo Clinic وهو أفضل مستشفى عالمي في الولايات المتحدة الأمريكية موجود في مدينة صغيرة، وليس مدينة رئيسة، وأن هذه المدينة تقوم اقتصادياتها على وجود هذه المستشفى، كما أن هناك العديد من المدن الجامعية والمدن الصناعية ومراكز الأبحاث مقامة أساساً في مدن صغيرة أو قرى، لهذا فإنني أطالب أصحاب المعالي الوزراء، وهم المسؤولون عن تنفيذ مشاريع الدولة بتوجيه مديري عموم المشاريع في وزاراتهم بسرعة إقامة المشاريع المتخصصة (الفئة الثانية) في أي مدينة تتوفر فيها أراضٍ حكومية وعدم تأخير تنفيذ المشاريع التنموية بسبب ذلك تلافياً للسلبيات التي أشرت إليها في بداية المقال.
أما مشاريع الفئة الأولى التي أشرت إليها أعلاه والتي من الضروري إقامتها في كل مدينة فاعتقد أنه من الضروري السماح للجهات المختصة التي لا تتوفر لديها أراضٍ لإقامة مشاريعها أن يسمح لها بنزع ما يحتاجه المشروع من أراضٍ مباشرة، وذلك ضمن قيمة المشروع المعتمدة، فعلى سبيل المثال إذا كان معتمداً تنفيذ (20) مركزاً صحياً أو مدرسة في مدينة الرياض ولا توجد أراضٍ مخصصة لعدد (20) مشروعاً فإنه يمكن الاكتفاء بتنفيذ (10) مشاريع وتخصيص تكاليف بقية المشاريع في نزع ملكيات الأراضي اللازمة، وهذا الإجراء أفضل من تأخير (20) مشروعاً لحين توفير أراضٍ حكومية أو توفير مبالغ إضافية لنزع الملكيات لهذا العدد الكبير من المشاريع، حيث إنه وكما يقول المثل: ما لا يدرك كله لا يترك جله.. هذا أحد الحلول السريعة التي يمكن البدء فيها فوراً مع ضرورة وضع آلية جديدة لنزع الملكيات وتبسيط الإجراءات السابقة التي أدت إلى تعطيل عدد من المشاريع، والحل الثاني الذي اقترحه هو أن يتم الحصول على الأراضي اللازمة بطريقة الاستئجار طويل الأمد أو المنتهي بالتمليك بحيث يتم الاتفاق مع أصحاب الأراضي على دفع قيمة الأرض على مدى 20 - 30 سنة، وهذا سوف يخفف الضغط على بنود الميزانية من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن تنفيذ أعداد كبيرة من المشاريع بدون تأخير.. مع التأكيد مرة أخرى على ضرورة إعطاء صلاحيات للوزارات لنزع الملكيات بعد وضع آلية وضوابط لذلك.
علماً أنه من الضروري استمرار التأكيد على الأمانات والبلديات بعدم السماح لأصحاب المخططات ببيع الأراضي المخصصة للخدمات وأن تبقى كما هي عليه لإقامة المشاريع المعتمدة سواء عن طريق الدولة أو القطاع الخاص.
وفي نهاية مقالي أود التأكيد على أن المملكة ولله الحمد تمر بطفرة اقتصادية كبيرة، ومعتمد في ميزانية الجهات الحكومية عدد كبير من المشاريع ويجب استغلال هذه الفرصة وتنفيذ هذه المشاريع ليستفيد منها الوطن والمواطنون وعدم تأخيرها بحجة عدم توفر أراضٍ.
عضو مجلس الشورى
|