غادر وفد ألماني برلماني الأضواء العالمية التي تطوق ألمانيا في الوقت الحاضر، واخترق المسافات جنوباً، وحل بيننا في المملكة، التقينا بسيدات الوفد في مركز الحوار الوطني، بعد وصولهم إلى الرياض بساعة، وكانت عيونهم (الآرية) لم تعتد بعد على وهج شمس الصحراء السامية المرتفع.
لكن لطف الاستقبال والابتسامات الواسعة المنفرشة على وجوه عضوات مركز الحوار جعل الأمر أكثر سهولة وراحة بالنسبة لهن، بعد تعريف الأعضاء بأنفسهم بين القسم الرجالي والنسائي، حدث اضطراب في الإرسال بين القسم النسائي والرجالي فانقطع عندها جسر مهم كان الجميع يحاول أن يمده بين حضارتين وعجزنا نحن أن نصنعه بين مبنيين متجاورين في مدينة الرياض!، فاستقل الرجال بنقاشهم، واستغرقتنا نحن أحاديثنا النسائية.
وكان أول سؤال اندلق على الطاولة: متى ستقدن السيارات؟
تفاوتت الأجوبة لكن الجميع أجمع على مقولة: حينما يصبح المجتمع جاهزاً لهذا.
وقلنا أيضاً أموراً كثيرة مثل نحن في السعودية نعاني من معدلات عالية من حوادث السيارات، وحينما تجلس النساء خلف المقود وتنطلق في الشوارع و(هناك قطاع كبير من المجتمع غير راضٍ عن الموضوع) فلربما ستتراكم المشاكل حولها، وقلنا لماذا يصر الإعلام الغربي على التركيز على هذه النقطة دون جميع المنجزات الحضارية الأخرى في السعودية؟
لربما كانت هذه الأجوبة تحتوي على قدرٍ كبيرٍ من الدبلوماسية القابلة للتسويق الخارجي، ولكن في أحاديثنا الجانبية الخافتة كنا نقول إن تعليم الفتاة قوبل بموجة عاصفة من الرفض أيضاً ولكنه تم على الرغم من جميع كتائب الظلام.
عضوات الوفد أيضاً ينتمين إلى أحزاب سياسية في البرلمان الألماني، إحداهن من الحزب المسيحي الاجتماعي وأخرى من الحزب الاشتراكي والثالثة من أحد أحزاب اليسار كانت في السابق من سكان ألمانيا الشرقية، وسرعان ما انخرطت في الحياة السياسية بعد انهيار الجدار، لترجع ألمانيا تزهو بوحدتها واستيقاظها من رمادها كطائر الفينيق بعد الحرب العالمية الثانية.
جميعهن كن فخورات بتجربتهن السياسية والسيدة التي على رأس السلطة في ألمانيا، وكان سؤالنا المضاد لسؤال متى قدتنّ السيارة؟.. متى حصلت المرأة الألمانية على حقها في التصويت؟.. فأجبننا العام (1918) أي بعد الحرب العالمية الأولى، كنت أسأل نفسي وقتها الوعي السياسي الذي قاد المرأة الألمانية للبرلمان آنذاك لم يمنع ألمانيا من أن تقع في قبضة مجنونها الأعظم (الفوهرر هتلر) ولكن دوماً للشعوب منعطفاتها التاريخية وكبوتها، ولكن الأهم من هذا كله هو كيف تفز من هذه الكبوات لتغدو الكبوة هي نقطة انطلاق جديدة.
بدا لنا التاريخ 1918 سحيقاً، قالت لهن إحدى الزميلات في ذلك الوقت لم تكن السعودية موجودة ككيان سياسي مستقل، ولدت السعودية عام 1932م، لذا سنترك الشعوب تأخذ مداها في التحرك وفي الاستجابة، بدون ضغوط بدون حصار بدون اقتحام لاستقلالية القرار.
طوال الوقت بقيت ملامح التعب معلقة فوق وجوههن، لعلها رحلة الطيران الطويلة وإنهاك السفر، ولكن ذلك الوهن اختفى عندما استمعن إلى تجربتنا في الحوار الوطني بجميع تفاصيلها فكرته وأهدافه وآلياته ودوراته الخمس، وسقوف الحرية التي يتم داخلها النقاش.. بل إن لقاءنا بهم كان من ضمن توصيات اللقاء الأخير للحوار الوطني (نحن والآخر) التي كانت تدعو إلى توسيع قنوات الاتصال مع الآخر على المستوى الحضاري والإنساني.
تلك التجربة زرعت فوق وجوههن علامات كبيرة من الاهتمام والدهشة، ولربما غادرننا وهن يحملن في زاوية أذهانهن انطباعاً صغيراً يخبرهن بأننا شعب لا تقود فيه النساء السيارات، ولكننا بالتأكيد نصارع بجدية وحب واستماتة للوصول إلى مشارف الغد.
|