من الصعب تحديد المسار الذي تتخذه عمليات القتل في العراق، ولهذا يصبح من المستحيل إسكات هذه البنادق التي تنطلق كل حين وآخر، فهناك فوضى حقيقة تتفاعل على أرض العراق وهي تحفز للمزيد من عدم الاستقرار.
ورغم تكوين الحكومة الجديدة يظل العراق نهبا لهذه الاغتيالات المنفلتة في جميع أنحائه، فالمشهد العام هو لعدم الاستقرار.. فالعراقيون يحتاجون إلى توافق تام على ما ينبغي عمله، وإذا كانت الحكومات هي التي تتولى في العادة مثل هذه الأمور بما يتاح لها من تواصل مع مختلف ألوان الطيف السياسي في أي بلد، فإن العراق يظل حالة مستثناة من مثل هذه الصيغ، على الرغم من حالة التواصل القائمة بين الحكم ومختلف الطوائف والتنظيمات السياسية، لكن تبقى هناك جهات فاعلة فيما يتصل بالجرائم اليومية ليست داخل دائرة الاتصالات القائمة مع الحكم، وهذه تتصرف وفقاً لمرئياتها، وهناك أيضا التدخلات الأجنبية خصوصا تلك التي تتخفى تحت مختلف الأقنعة، وهذه تنفذ مخططات إقليمية ودولية.
وفي هذا المقام يشير الكثيرون بكل تأكيد إلى دور واسع النطاق للمخابرات الاسرائيلية التي تتمتع بمرونة كاملة في الحركة في ظل الوجود الامريكي، وهناك جرائم بعينها تنسب دائما للموساد الاسرائيلي ومنها بصفة خاصة تصفية الكوادر العلمية المتميزة بما في ذلك الباحثين والعلماء وأساتذة الجامعات.. فإسرائيل تنظر برؤية شاملة للصراع مع العرب، وهي تركز خصوصا على أن المعركة معهم معركة حضارية، تستوجب في جانب منها تجريد هذه الأمة من طاقاتها الفاعلة.
وقد كان العراق طوال سنوات عديدة يحتفظ بكوكبة من العلماء كان يمكن أن يؤثروا بطريقة واسعة في مجمل الأحوال في المنطقة العربية، ولعله لهذا السبب كان العراق مستهدفاً طوال عقود عديدة.
القتل يمارس أيضا وبطريقة الإبادة من قبل القوات الأجنبية، فجرائم القوات الامريكية أصبحت تتوالى بصورة مزعجة وتكاد تكون يومية، وهذه الجرائم تشكل هي بذاتها حافزا لعمليات انتقامية ما يجعل عجلة العنف تتواصل باستمرار دون توقف.
فالجرائم البشعة في الحديثة والاسحاقي وتلك اليومية التي تقع عند حواجز الطرقات من قبل قوات التحالف تحمل بذور عمليات انتقامية متتالية.. ومع كل هذا فإنه لا يمكن الالقاء بكامل المسؤولية على هذه الجهة الأجنبية أو تلك، إذ إن العراقيين يتحملون جل المسؤولية، باعتبار أن الخلافات بينهم هي التي تسمح بتسلل الأجنبي إلى صفوفهم.. وهم في هذه الحالة السلبية يفسحون المجال واسعاً لكل محترفي القتل من المرتزقة والإرهابيين وشذاذ الآفاق ليرتعوا في بلادهم ويعيثوا فيها فساداً، وأكثر من ذلك فإن هؤلاء الدخلاء يعملون على تأجيج نيران الخلافات الداخلية بحيث تظل متقدة على الدوام وبالطريقة التي تمكنهم من تنفيذ أهدافهم.
|