Thursday 8th June,200612306العددالخميس 12 ,جمادى الاولى 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

إلى رحمة الله يا كبير بريدة إلى رحمة الله يا كبير بريدة
أحمد المنصور - عضو هيئة الصحفيين السعوديين

شيّع أبناء منطقة القصيم أحد أعيانها ووجهائها العلم الفاضل - إبراهيم بن عبد العزيز المشيقح، عن عمر يناهز الثمانين عاماً قضاه في طلب العلم وتعلُّمه في كتاتيب بريدة، وحرص في شبابه على مجالسة العلماء، ومزاحمة الطلاب في الوصول إلى حلقات الدرس .. فأحيا الله قلبه بنور العلم، وتربّى تربية فاضلة في منزل والده الفاضل، الذي عرف (رحمه الله) في بريدة القديمة أنه من الأعيان الذين لهم حضور ومواقف أثناء توحيد نجد والجزيرة .. مع جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (طيب الله ثراه).
ولحب العلم الفاضل - إبراهيم المشيقح في قلوب أبناء بريدة، أحب أن أذكر شيئاً عن مآثره، التي من الصعب حصرها في هذه السطور، إلاّ أني أذكر أنّه أمّ وقرأ بعد صلاة العصر وقبل صلاة العشاء في مسجدي (المشيقح) في حي التعليم والمنصورة إلى أن أقعده المرض في منزله متقرّباً إلى الله بالصلاة والصدقة والدعاء والصبر على ما أصابه من مرض ... ومن مآثره صلة أقربائه وتفقُّدهم وإكرامهم والتصدُّق على فقرائهم وعيادة مرضاهم وسداد ديون غرمائهم، ومشاركتهم في مسرّاتهم ومواساتهم في أحزانهم ... فكسب ودّ كبيرهم وتقدير صغيرهم ودعاء فقيرهم ... وحرص في شدّة مرضه على ألاّ تنقطع صلته برحمه، لأنّه يعلم أنّ صلة الرحم من موجبات دخول الجنة ... والإحسان على اليتيم ذي القربى، لأنّ القريب أحوج في الحب والمنزلة في منزلة قد تفوّق منزلة أولاده، فخير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ... وإكرام الجيران والإحسان إليهم والبذل لهم، وحفظ حرمتهم وعدم إيذائهم، فخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ...
وإكرام الضيوف الذين يحرصون على زيارته في منزله، لما يجدون فيه من بذل في الكرم، فالكرم من طبعه دون تكلُّف أو مجاملة، فأبواب منزله مشرعة لاستقبال الضيوف، وموائد الغذاء ممدودة للأقرباء والفقراء والمساكين، الذين وجدوا فيه كرم من لا يخاف الفقر ... والشفاعة الحسنة لذوي القربى وغيرهم من الذين يجدون فيه الرغبة في أداء الشفاعة، لأنّه يعلم أنّ له نصيباً من أجرها عند الله ... وعيادة أسرى الأسرّة البيضاء في المستشفيات، والدعاء لهم بالشفاء، والتوجيه للمحتاجين منهم في مواصلة علاجهم في مستشفيات أكثر تخصصاً ... وإجابة الدعوة في مناسبات السرّاء التي يحرص على تلبيتها لمشاركتهم أفراحهم، ولا يميِّز في الإجابة بين فقير وغني، ولا يتأخر عنها وإن بعدت المسافة إلا من عذر ... والصلاة على الأموات وتشييع جنائزهم ودفنها والدعاء لأصحابها والاستغفار لهم وسؤال الله أن يثبِّتهم، ومشاركة أهلها أحزانهم وذكر ما يهوِّن عليهم المصاب، ويخفف عليهم شدة الحزن لما لتعزية المسلم لإخوانه المسلمين من فضل عظيم.
وهذه المآثر التي عُرف بها شيخنا الفاضل - ابراهيم بن عبد العزيز المشيقح من أعظم المآثر الإسلامية التي أوصى بها سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. كما أنّ لشيخنا الفاضل حضوراً وعطاءً في جمعيات البر، وأصدقاء المرضى، ولجنة الزواج، وفي بناء المساجد وتأثيثها، ومساعدة الأرامل واليتامى والمساكين، الذين يجدون أبواب منزله مشرعة لاستقبالهم وبذل المعروف لهم ... وبذل الصدقات على الفقراء والمساكين والمحرومين ... حيث يتقصّى أماكن وجودهم، وبذل المال لهم على حبه بيد لا تعلم الأخرى كم بذلت .. لأنّه يعلم أنّ الذين يبذلون المال في الدنيا مؤخر أجره في الآخرة.
وأمّا تجارة شيخنا الفاضل فالحصر لها يطول إلاّ أنَِّي أذكر بيع المواد الغذائية، التي حرص وأخويه عبد الرحمن وعبد المحسن (رحمهم الله) على مزاولتها في السبعينات من الهجرة في جردة بريدة القديمة، والتي لا تنحصر على نوع من الغذاء، إذ تعدّدت أنواعه في زمن من الصعب توفُّره، إلاّ أنّهم يحصلون عليه من البلدان العربية: سوريا والعراق ومصر، وبلدان إسلامية: إيران والهند وباكستان ... ومن ثم تجارة الآلاف الزراعية، والتي تعتبر من أوائل المحلات في الثمانينات الهجرية، والتي من الصعب في أزمنة بريدة القديمة توفرها، إلاّ أنّهم حرصوا على استيرادها وبيعها على المزارعين، الذين وجدوا فيها أفضل وسيلة لمواصلة زراعتهم وجني ثمارها ... ومزارعهم في المليداء التي أثمرت من غرس النخيل تمور: السكري، البرحي، والشقر ... وأشجار الأعناب المعروشات بين جذوع النخل التي غطت أوراقها وعناقيدها أراضٍ شاسعة من مزارعهم وحبوب القمح التي انتشرت في أراضٍ واسعة أعطت الناظر إليها من علو الطائرات أن بريدة جنة خضراء كأنّ نهري النيل والفرات يخترقانها، وهي في الأمس صحراء قاحلة لا ترى فيها إلاّ كثبان الرمال ... ووصلت منتوجاتهم من التمور والقمح والعنب إلى أقاصي المناطق وبلدان الخليج العربي...! ومن ثم استيراد وبيع سيارات (نيسان) في التسعينات الهجرية، حيث إنّهم الموزعون في المنطقة، ووجدت إقبالاً من أبنائها الذين لم يألفوا سيارات نقل صغيرة .. فأعطت المنطقة تقدماً في وسائل النقل المختلفة ... إلى أن توسعت تجارة الإخوة: عبد الرحمن، وعبد المحسن، وإبراهيم ووصلت إلى ذروتها سنة ألف وأربعمائة من الهجرة، إذ أنشأوا مصانع للألبان، ومزارع للدواجن، والتي تعتبر من أوائل المصانع والمزارع في المنطقة، فلقيت تسوُّقاً من الذين لم يعتادوا إلاّ على الألبان من مزارعهم الصغيرة وعلى الدواجن من حظائر أحواشهم.
هذا وتوفي شيخنا الفاضل - ابراهيم بن عبد العزيز المشيقح فجر يوم الاثنين الثاني من شهر جمادى الأولى، سنة ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة، وصلِّي على جنازته في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، وفي مقدمة المصلين أمير منطقة القصيم ونائبه، وامتلأت ساحة المقبرة من العلماء والأعيان والمسؤولين، وأعداد كثيرة من المواطنين الذين وفدوا من المناطق لحضور الدفن وأداء العزاء لأبناء وأقرباء الفقيد ... كما توالت الاتصالات الهاتفية من ولاة الأمر، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، والأمراء، والوزراء لتقديم العزاء لعائلته والدعاء لهم بالصبر والسلوان.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved